سمعت أمي وهي بتعيط في البلاكونة الساعة ٣ الفجر نور محمد

لمحة نيوز


إني أتسجن وأتفصل بفضاحة، أو أقدم استقالتي وأختفي تماماً من الصعيد. اخترت أستر نفسي وأحميكي انتي وإخواتك، وسبت الهيئة القضائية اللي كنت بعشقها، ونزلت القاهرة اشتغلت في أعمال حرة بسيطة لحد ما الصحة راحت والفلوس خلصت.
الكلام نزل علينا زي الصاعقة.. أمي حطت إيدها على قلبها وبكت بحرقة، وأنا دموعي نزلت على إيد بابا. الراجل الطيب ده عاش طول عمره شايل الهم ساكت، ضحى بمستقبله ومكانته الرفيعة عشان ينقذ طالب مظلوم ما يعرفوش!
الدكتور رؤوف انهار بالبكاء، وحط راسه على صدر بابا وقال وهو بيشهق كل ده حصل بسببي يا حاج عبد الرحمن؟! انت ضحيت بمستقبلك وكرييرك القضائي عشان حتة طالب فقير زيي؟! يا الله.. أنا دينك في رقبتي أتقل مما كنت أتخيل بكتير! والله العظيم لو قضيت باقي عمري أخدمك تحت رجليك ما هعوضك نقطة من اللي خسرته بسببي!
بابا طبطب على راس الدكتور رؤوف وقال بحنان ألمعي يا بني متقولش كده.. ربنا ما بيضيعش أجر من أحسن عملاً. أنا خسرت المنصب، بس ربنا رزقني بستر ورضا وبنت كحيلة العين جابرة للخواطر، ورزقك انت بالبصر والرحمة عشان تعالج آلاف المرضى.. تجارتي مع ربنا كانت أربح تجارة.
قضينا الليلة في المستشفى، ليلة كانت أطول وأجمل ليلة في حياتنا. المشاعر كانت فياضة، وبدأت أحس إن حارة الصاغة والميكروباص والست العجوزة ماكنوش مجرد مصادفات، دي كانت شبكة غزلها القدر بدقة متناهية عشان يجمع الدائن بالمَدين بعد ٣٥ سنة!
الصبح طلع، والشمس بدأت تتسلل من شباك الغرفة الكبيرة. الساعة جات تمانية الصبح، ودخل الدكتور رؤوف ومعه فريق كامل من الأطباء والمساعدين، ووشه مليان حماس وترقب.
قرب من السرير وقال بصوت مرتعش من التوتر جاهز يا حاج عبد الرحمن نشوف نور ربنا سوا؟
بابا ابتسم وقال توكلنا على الله يا بني.. يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث.
بدأ الدكتور رؤوف يفك أربطة الشاش بحذر شديد، طبقة ورا طبقة. الأوضة كلها سادها صمت رهيب، حتى أنفاسنا كنا بنحبسها. أمي كانت بتسبح على صوابعها بسرعة، وأنا ماسكة إيد بابا التانية وبدعي من كل قلبي.
لما شال آخر طبقة من القطن، طلب الدكتور رؤوف من بابا يفتح عينه بالراحة.. بابا بدأ يرمش بتعب، عينه كانت حمرا ومدمعة من أثر الجراحة والضوء. فتح عينه نص فتحة، وفضل يبص حواليه بذهول وصمت تام لمدة دقيقة كاملة!
الدكتور رؤوف سأله بلهفة وزياد توتر شايفني يا حاج؟ شايف الضوء؟ قولي شايف إيه؟!
بابا فضل يبص في وش الدكتور رؤوف، وبعدين نقل نظره لأمي، وبعدين بص لي أنا.. ودموعه بدأت تنزل بغزارة، بس المرة دي كانت دموع ذهول وصدمة حقيقية! بابا مسك إيدي بقوة مرعبة، وبص للدكتور رؤوف وقال بصوت مرعوب ومهزوز
رؤوف الضوء واضح وكل حاجة باينة جداً.. بس بس الوشوش اللي أنا شايفها دي مش وشوشكم!! انت مين؟! وبنتي دي مين؟! أنا شايف ناس تانية خالص واقفة في الأوضة!!
ساد صمت مرعب في الأوضة، صمت يقطع النفس. الدكتور رؤوف اتجمد في مكانه، ووشه اتخطف وبقى أصفر زي الورقة. الممرضين بصوا لبعض بذهول، وأمي صرخت وهي بتحط إيدها على قلبها عبد الرحمن! انت بتقول إيه يا راجل؟! أنا مرتك إلهام.. ودي فاطمة بنتك! أومال انت شايف مين?!
أنا إيدي اتجمدت في إيد بابا، ورجليا مابقتش شايلاني. بابا كان بيرمش بسرعة، ودموعه نازلة بغزارة على خده، وعينه بتتثبت على نقطة في الفراغ ورا الدكتور رؤوف، ويهز راسه بنفي ورعب وهو بيصرخ بصوت مكتوم مش انتوا.. أنا شايف وِشوش قديمة! شايف الوشوش اللي كانت في الصعيد من ٣٥ سنة! شايف العمدة وواقف وراه الراجل اللي اتقتل في الترعة! شايفهم واقفين في زاوية الأوضة ويبتسموا بقلة حيلة.. يا رؤوف! العين دي مش بتشوف الحاضر.. العين دي بتشوف اللي فات!!
الدكتور رؤوف مسك كشاف الفحص الصغير فوراً، إيده كانت بتتفض وهو بيسلط الضوء على عين بابا. نادى على نائبه بصوت أبح ومذعور هات حُقنة التهدئة فوراً! وجيب جهاز الفحص المقطعي للشبكية على الغرفة هنا بسرعة!
الأوضة تحولت لغرفة عمليات مصغرة في ثواني. بابا كان بيتنفس بصعوبة، وعرق بارد مغرق جبهته، وعينه بترمش بهستيريا وهو بيكرر السر اللي اندفن في الصعيد طلع يا رؤوف.. السر اللي أنا استقلت علشانه مش هو الحقيقة كلها! الراجل اللي اتقتل في الترعة زمان ما ماتش من الضرب.. الراجل ده وقبل ما يكمل الجملة، حقنة التهدئة بدأت تفعل فعلها، وجفونه تقلت واستسلم للنوم تدريجياً، وعينه انقفلت وسط ذهولنا ورعبنا.
أمي وقعت على الكرسي وهي بتبكي بكاء هستيري، وأنا وقفت قدام الدكتور رؤوف ومسكت في روبه الأبيض وقولتله بدموع محروقة يعني إيه يا دكتور؟! بابا جرى لعقله حاجة؟! ولا العملية فشلت وسببت له هلاوس؟ تفهمنا في إيه بالظبط!!
الدكتور رؤوف قعد على الكرسي وغطى وشه بإيديه الاثنين، فضّل ساكت لمدة دقيقتين كاملين، ونفسه العالي صوته طالع في الأوضة. لما رفع راسه، عينيه كانت حمرا بدموع حقيقية، وبص لي ولأمي ونطق بنبرة مليانة حسرة وذهول
العملية نجحت نجاح باهر من الناحية الطبية يا فاطمة.. الشفافية رجعت للقرنية والعدسة مستقرة مية في المية. اللي حصل مع أباكي ده مش هلاوس ولا جنون.. اللي حصل ده ظاهرة طبية ونفسية نادرة جداً بتسمى عقدة الذنب الارتجاعية مع التنبيه العصبي الفجائي شبكية العين. أباكي لما النور دخل عينه فجأة بعد فترة ضلام ودواء التخدير، عقله الباطن ربط لحظة الرؤية بأكبر صدمة ونقطة تحول في حياته.. الصدمة اللي خباها جوا قلبه ٣٥ سنة ودَفنها تحت التراب.
حرم الدكتور، حليمة هانم، قربت منه وقالتله بصوت مرتعش رؤوف.. هو عبد الرحمن قصده إيه؟ قتيل إيه وسر إيه اللي اندفن في الصعيد؟! انت مخبي عليا حاجة من زمان؟
الدكتور رؤوف وقف ومشي ناحية الشباك الكاشف لشوارع القاهرة، وبص بره والتنهيدة طالعة من قعر صدره، وقال بصوت واطي ومكسور
أنا زمان لما حكيت لكم إن العمدة اتهمني بالسرقة ورماني في الترعة، حكيت اللي أنا أعرفه بس.. اللي أنا شفته بعيني وأنا مغمي عليا ومضروب. بس عبد الرحمن بيه وقتها، لما جه يعاين مكان الجريمة في قرية أم قصور، اكتشف حاجة أبشع بكثير من مجرد سرقة وتلفيق قضية ل طالب فقير..
التفت لنا الدكتور رؤوف وكمل كلامه والغموض بيكتم أنفاس الأوضة
ليلة السرقة دي، الغفير بتاع العمدة اختفى تماماً، والناس لقوا جثته طافية في الترعة بعد ثلاثة أيام. العمدة وقتها لبّسني أنا قضية السرقة وقضية قتل الغفير، وقفل القفش بفلوسه ونفوذه. عبد الرحمن بيه وقتها، بذكائه وكفاءته كوكيل نيابة، قدر يثبت إن أنا ماليش علاقة بالقتيل ولا بالسرقة برمتها، وأفرج عني وحماني بهروبي للقاهرة.. بس اللي أنا ماكنتش أعرفه، واللي عرفته النهاردة من كلامه وسط الهلاوس.. إن عبد الرحمن بيه اكتشف الفاعل الحقيقي لقتلة الغفير!
سألت بصوت أبح ومرعوب ومين الفاعل الحقيقي يا دكتور؟! وليه بابا ما قبضش عليه وساب الهيئة القضائية واستقال واستخبى طول السنين دي؟!
قرب الدكتور رؤوف مني، وبص في عيني بجمود وقشعريرة وقال
لأن الفاعل الحقيقي
ما كانش العمدة ولا أتباعه.. الفاعل الحقيقي كان شخص مظلوم تاني، شخص عبد الرحمن بيه كان بيحبه ويعزه جداً، وعلشان يحميه من المشنقة ومن بطش العمدة، اضطر عبد الرحمن بيه يزوّر تقرير المعاينة الأولي ويقفل القضية ضد مجهول، ويكتب استقالته بيديه ويعيش بقية حياته يطارد بأشباح الذنب والظلم!
أمي صرخت بصوت خافت مين الشخص ده يا رؤوف؟! مين اللي عبد الرحمن ضحى بعمره ومستقبله واسمه وسمعته علشانه؟!
الدكتور رؤوف التفت ورا، وبص لسرير بابا اللي نايم عليه تحت تأثير المخدر، ونزل رأسه للأرض وقال بنبرة قطعت قلوبنا
الشخص ده.. يبقى أخو الحاج عبد الرحمن الصغير.. عمِك توفيق يا فاطمة! اللي كنتوا فاكرين إنه هاجر بلاد ربنا ومات من ٣٠ سنة.. عمِك اللي طلع عايش، والسر اللي استخبى طول السنين دي، هو إن توفيق موجود هنا في القاهرة.. وجاي المستشفى دي حالا!!
انقبض قلبي وانقطعت أنفاس أمي مع كلمته الأخيرة. العم توفيق اللي عاشت العيلة تسع سنوات تحكي عنه كأنه طيف ومات في الغربة، طلع حقيقة، وطلعت قصته هي الجرح اللي نزف منه عمر بابا ومستقبله!
دقائق معدودة، واتفتح باب الغرفة بالراحة. دخل راجل كبير، شعره أبيض زي التلج، ملامحه نسخة مكسورة من بابا، وخطواته بتقترب بالبطء وكأنه شايل جبل على كتفه. أول ما عينه جت على بابا وهو نايم على السرير وعينه ملفوفة بالشاش، جثا على ركبه جنب السرير وبكى بكاء حاد صامت، صوته كان كأنه طالع من بير مهجور.
التفت لينا توفيق عمي، وبص لأمي ودموعه مغرقة وشه وقال بصوت مبشوح سامحيني يا زوجة أخي.. سامحيني يا فاطمة يا بنتي. عبد الرحمن أخويا الكبير، شال ذنبي وعاري ٣٥ سنة. ليلة حادثة العمدة، الغفير حاول يعتدي عليا ويقتلني لما كشفت إنه هو اللي بيسرق خزنة العمدة وبيشيلها للولد الصغير رؤوف.. دافعت عن نفسي وزقيته، وقع في الترعة ومات. أنا جرت على عبد الرحمن وأنا بترعش ودمي هربان مني، وحكيت له.. عبد الرحمن كان قدامه خيارين إما يسيبني للمشنقة ولتأر العمدة، أو يضحى هو بكل حاجة. اختار يحميني، سفرني بره مصر وكتب استقالته ودفن سره، وعاش العمر كله حاسس بمرارة إنه خالف الضمير عشان ينقذ روح أخوه!
الدكتور رؤوف قرب من العم توفيق وطبطب على كتفه، وبعدين التفت لينا وهو حاسس بعظمة التضحية اللي بابا عاشها وقال الحاج عبد الرحمن ما خالفش ضميره.. الحاج عبد الرحمن اختار بين شرين، وانقذ نفسين انقذني أنا الغريب الفقير من المشنقة، وانقذ أخوه من البطش، ودفع هو التمن من صحته وشبابه وسمعته. وده السر اللي كان بيطارده في الضلام، والعقدة اللي كانت خنقاه.
بعد ساعتين، بدأ المخدر يروح عن بابا. فتح عينه التانية بالراحة، والهدوء كان ساد الغرفة. أول ما رمش ونور الشمس دخل عينه، شافنا واقفين حواليه.. شاف أمي بتدعيله، وشافني ماسكة إيده، وشاف الدكتور رؤوف ابتسامته منورة، وشاف أخوه توفيق واقف جنبه.
المرة دي، ما صرخش وما شافش أشباح.. دموع بابا نزلت ببطء، وابتسامة رضا وفرحة غطت وشه وجعده الطيب. مسك إيد أخوه توفيق وإيد الدكتور رؤوف، وبص لي وقال بصوت ثابت وناعم الحمد لله.. النور رجع لعيوني، والسر اتغفر، والودايع اتردت.
في اللحظة دي، حسيت إن الدنيا كلها بتسقف لبابا.. للراجل اللي عاش مظلوم ومضحّي، وللرب اللي ما بيضيعش أجر المحسنين.

الحكمة من القصة
مَن سار بين الناس جابراً للخواطر، أدركه الله في مخاطر الطرائق.
صنيع المعروف لا يموت إن الخير الذي تزرعه في خفاءمهما طال عليه الزمن وأوشكت أن تنساهيعود إليك في أشد أوقاتك ظلاماً وأشدها احتياجاً، وبطرق لا يخطر على بال بشر أن ينسجها.
صُنع ربنا أعمق من تدبيرنا الخاتم الذي بعتِهِ بألفين جنيه، والفلوس التي أعطيتها للعجوزة لوجه الله، لم تكن مجرد صدقة.. كانت هي المفتاح الإلهي الذي حرك أحداثاً عمرها ٣٥ سنة، ليُردّ الجميل لأبيك، ويُشفى بصره، ويُرفع عن كاهله ذنب وقهر السنين.
جبر الخواطر ينير الظلمات عندما تشتري خاطر محتاج بآخر ما تملك، فإن الله لا يردك خائباً أبداً، بل يفتح لك أبواباً مقفلة ويجعل لك من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً.

 

تم نسخ الرابط