سمعت أمي وهي بتعيط في البلاكونة الساعة ٣ الفجر نور محمد
سمعت أمي وهي بتعيط في البلاكونة الساعة ٣ الفجر وبتترجى الدكتور في التليفون يعمل عملية عين بابا المعتّمة ويستنى عليها في الفلوس، ولما الدكتور رد عليها بقسوة وقالها مفيش جراحة هتتعمل غير لما تدفعوا المقدم الأول، خرجت الصبح من البيت ورجليا مش شايلاني والدنيا سودة في وشي، بس اللي حصل معايا في شوارع الحسين خلاني أتيقن إن ربنا لما بيريد، بيقلب الموازين في لحظة واحدة.
الحكاية بدأت لما نزلت الصبح بدري وأنا شايلة في جيب شنطتي آخر حاجة حيلتي في الدنيا.. خاتم دهب صغير كانت سيباهولي جدتي الله يرحمها ذكرة. كنت مخبياه لليوم الأسود، وقلت خلاص، مفيش أسود من إن أبويا يفقد بصره وما يشوفش النور تاني. مشيت لحد منطقة الصاغة في الحسين ورجليا بتترعش، بعت الخاتم بالعافية وجابلي ألفين جنيه، مبلغ بسيط جداً بالنسبة لتكلفة العملية، بس قلت أهو يسد جزء من المقدم وأستسمح الدكتور.
وأنا طالعة من حارة الصاغة ورايحة أركب الميكروباص، لقيت ست كبيرة طاعنة في السن قاعدة على عتبة محل مقفول وبتعيط بكسرة حادة وتنحب. المنظر وجع قلبي، قربت منها وسألتها مالك يا حجة؟ خير في إيه؟، ردت عليا وهي بتشهق ابني محجوز في المستشفى ومحتاج علاج ب ألف وثمانمية جنيه، والصرة اللي فيها الفلوس وقعت مني في الزحمة ومش عارفة أرجعله بأنهي وش.. خايفة يروح مني!
وقتها وقفت مذهولة.. الشنطة في إيدي فيها ألفين جنيه بس، دول أمل أبويا الوحيد! وفضلت الأفكار تضرب في دماغي أديها الفلوس وأسيب بابا؟ ولا أمشي وأطنش دموعها؟. بس افتكرت كلمة بابا دايماً لما كان يقولي من سار بين الناس جابراً للخواطر، أدركه الله في مخاطر الطرائق. بصيت للست وبدون تردد طلعت الألف وثمانمية جنيه وحطيتهم في إيدها وقلت لها اتفضلي يا أمي، ربنا يشفيهولك ويرجعهولك بالسلامة.
الست بصت للفلوس وللجنية الفاضل معايا، وقامت حضنتني بكاء هستيري، ودعت لي دعوة هزت كياني ربنا يقيم لك سوق الحظ من وسع، ويفتح لك الأبواب المقفولة، ويجعل لك في كل خطوة فرج وسرور، ويرد لك الجميل أضعاف مضاعفة يا بنت الأصول!
ركبت الميكروباص وأنا جيبتي فاضية تماماً، بس حاسة بنور وطمأنينة غريبة جوة قلبي، وقعدت أردد الاستغفار وأقول يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث. فجأة، الست اللي راكبة جنبي وكانت باين عليها العز والوقار لاحظت إني بمسح دموعي وأنا بسبح. طأطأت عليا وقالتلي برقة يا بنتي الوش السمح ده ما يستاهلش البكاء، أنا متبعاكي من أول ما طلعتي من الصاغة وجمالك في تصرفك مع الست العجوزة لفت نظري.. احكيلي إيه الحكاية؟
حكيت لها بحسن نية ودموعي نازلة عن حالة بابا وعن الخاتم وعن العملية اللي خلاص مش هنقدر نعملها. الست وشها اتغير تماماً وبصت لي بذهول وقالتلي طب انتي تعرفي إن جوزي هو الدكتور رؤوف السويفي أكبر جراح عيون في مصر؟ وإننا كنا رايحين المستشفى حالا بس عربيتنا عطلت وأنا ركبت الميكروباص عشان أسبقه؟
أنا مكنتش مصدقة أذني! معقولة الست اللي جنب في الميكروباص تبقى حرم أكبر دكتور عيون؟! مسكت إيدي وقالتلي بنبرة كلها حزم ورحمة انزلي معايا فوراً.. عملية أباكي هتتعمل النهاردة وعلى نفقتي الخاصة، وده مش جميل، ده حق البنت اللي اشترت خاطر ست غريبة بآخر ما تملك!
وصلنا المستشفى الاستثماري الكبير، والدكتور رؤوف كان واقف مستني مراته ومستعد يدخل غرفة العمليات لحالة ثانية. مراته قربت منه وحكت له القصة سريعا وادت له التقارير الطبية بتاعة بابا اللي كانت معايا في الشنطة..
الدكتور أول ما مسك التقارير وبص في اسم بابا الخماسي مكتوب فوق.. إيده أترعشت! والورق وقع منه على الأرض، وشه اصفرّ جداً وبص لي بعيون مذهولة وقال بنبرة صوت مرعوبة ومصدومة
أبوكي اسمه عبد الرحمن شاكر؟! هو انتي بنت الراجل ده؟! مش ممكن!! انتي عارفة أبوكي عمل معايا إيه من ٣٥ سنة لما كنا في الصعيد؟! افتحي الباب ده بسرعة واجري هاتيه هنا حالاً لأن السر اللي خباه أبوكي طول السنين دي لازم يتفتح النهاردة!!
دخلت الأوضة وأنا إيدي بتتفض وجسمي كله بيترعش، مش فاهمة إيه السر اللي يخلي دكتور بوزن وقامة الدكتور رؤوف السويفي يصفرّ وشه بالشكل ده، وورق التقارير يقع من إيده كأنه ماسك جمرة نار. ركبت التاكسي وأنا طيرة في الشارع، منجرفة بين الفرحة إن بابا هيتعالج، والرعب من السر اللي هيتفتح بعد ٣٥ سنة.
وصلت البيت، لقيت أمي قاعدة في الصالة، عينها حمرا من كثرة البكا، وبابا قاعد على الكنبة، حاطط إيده على وشك ومستسلم للضلام اللي بدا يغيم على عينه تماماً. ما حكيتش لأمي أي تفاصيل، مسكت إيد بابا وقولتله بصوت محروق من الأمل قوم يا بابا، يلا بينا على المستشفى.. عمليتك النهاردة!
أمي بصت لي بذهول وقالتلي عملية إيه يا بنتي؟! الفلوس منين؟ الدكتور امبارح
قاطعتها وأنا بشد بابا من إيده ربنا فرجها من وسع يا أمي، يلا بينا وماتسأليش عن حاجة دقتي!
وصلنا المستشفى الاستثماري الكبير، وطول الطريق بابا كان بيسألني باستغراب مين الدكتور يا بنتي؟ وجبتي الفلوس منين؟ وأنا أتهرب وأقوله لما نوصل هتفهم كل حاجة يا حبيبي.
أول ما دخلنا من باب المستشفى، لقيت حرم الدكتور رؤوف واقفة مستنيانا عند الرسبشن، وبمجرد ما شافت بابا، ابتسمت بدموع وقالت للممرضين جهزو غرفة الكشف الخاصة فوراً، وبلغوا الدكتور رؤوف إن الحاج عبد الرحمن وصل!
دخلنا العيادة الكبيرة. كان الدكتور رؤوف قاعد ورا مكتبه، حاطط إيده على رُكبته وبيفرك فيهم بتوتر شديد. أول ما باب العيادة اتفتح وبابا دخل ساند عليا، الدكتور رؤوف وقف مرة واحدة، الفوطة البيضا اللي في إيده وقعت، وبص لبابا بنظرة فيها مزيج من الذهول، الرهبة، والإجلال.
بابا كان شايف خيالات ومش مجمع الوشوش، وقال بصوت مرتعش السلام عليكم يا دكتور.. أنا عبد الرحمن، بنتي قالتلي إن
قبل ما بابا يكمل جملته، الدكتور رؤوف مشي خطوات سريعة ورمى نفسه في حضن بابا! حضنه بقوة وكأنه بيمسك في حبل نجاة، وبدأ يعيط بصوت مسموع! المستشفى كلها كانت عارفة الدكتور رؤوف بشروده وهيبته وقسوته أحياناً مع المساعدين، لكن إنه يعيط بالشكل ده قدامنا؟ ده اللي ذهَل أمي وخلاني أقف مش فاهمة حاجة.
بابا استغرب جداً، ورفع إيده بتوتر وطبطب على كتف الدكتور وقال خير يا دكتور؟ انت تعرفني؟ أنا مش شايف وشك والله، النور قطع في عيني من أسبوعين
الدكتور رؤوف مسح دموعه بصعوبة، ومسك إيد بابا وحطها على وشه وقال بنبرة مليانة حسرة وامتنان
مش فاكر الصوت ده يا حاج عبد الرحمن؟ مش فاكر الطالب اللي كان بيموت من الجوع والخوف في قرية أم قصور في أسيوط سنة ١٩٩١؟ مش فاكر الشاب اللي اترمى في الترعة بعد ما العمدة اتهَمَه بالسرقة وظلمه، وكانت البلد كلها عايشة تقتله، وانت الوكيل الوحيد في النيابة اللي وقفت ضد العمدة وضد كل الناس علشان تحميه؟!
ساد الصمت في الأوضة، وبابا ملامح وشه اتغيرت فجأة.. إيده اللي كانت على وش الدكتور بدأت تترعش، وشفت فجأة شريط ذكريات قديم