سمعت أمي وهي بتعيط في البلاكونة الساعة ٣ الفجر نور محمد
بيتفتح في عين بابا المطفية.
الدكتور رؤوف كمل وكأنه بيفرغ كبت سنين طويلة
أنا زمان كنت طالب فقير جداً في كلية طب أسيوط، وباشتغل بعد الكلية في بيت العمدة عشان أصرف على دراستي.. وفي يوم، خزنة العمدة اتسرقت، والاتهام أتركب عليا بطريقة مجرمة. العمدة غرس فيا ناس ضربوني لحد ما أغمى عليا ورموني في الترعة، ولفقوا لي قضية سرقة مقترنة بجناية، وكان مستقبلي وحياتي هيضيعوا للأبد. القضية اتعرضت عليك يا عبد الرحمن بيه، وكنت وقتها وكيل نيابة شاب، والكل كان بيمارس عليك ضغوط عشان تقفل القضية وتتهمني، لكن انت بذكائك ونزاهتك، رفعت عينك في عين العمدة وقولتله الولد ده بريء، وأنا مش هظلم نفس زكية عشان ترضي كبرياءك!
أمي حطت إيدها على بقها من الصدمة، وأنا واقفة أسمع والذهول آكل قلبي.. بابا كان طول عمره راجل طيب وساكت ومابيتكلمش عن ماضيه إطلاقاً.
الدكتور رؤوف كمل بصوت أبح
بس السر مش هنا يا حاج عبد الرحمن.. السر في اللي حصل ليلة ما أفرجت عني! لما قفلت القضية وحفظتها، العمدة حلف ما يسيبنيش عايش، وبعتلي ناس يصفوني وأنا مروح. انت عرفت بالخبر ده، وما اكتفيتش بأنك أديتني براءتي القانونية.. انت نزلت بنفسك بليل، وجبت عربيتك الشخصية، وخبيتني في شنطة العربية، وسوقت بيا من أسيوط للقاهرة طول الليل! مش بس كده.. انت طلعت من جيبك وقتها ألفين جنيهمبلغ كان يشتري فدان أرض زمانواديتهم لي وقولتلي يا رؤوف، كمل كليتك في القاهرة، ويا رب أشوفك أكبر جراح في مصر، وافتكر إن ربنا نجاك عشان تداوي الناس!
بابا نزل راسه والأرض ودموعه نزلت بللّت قميصه، وقال بصوت واطي يااه يا رؤوف انت فاكر الكلام ده لحد النهاردة؟
الدكتور رؤوف رد عليه بحرقة
أفتكر؟! أنا عشت ٣٥ سنة ببحث عنك! لما تخرجت وبقيت معيد، وبعدها سافرت ألمانيًا وأخدت الدكتوراه، ورجعت بقيت أكبر جراح عيون، كنت كل يوم بادور على وكيل النيابة النزيه عبد الرحمن شاكر. سالت عليك في النيابة قالوا إنك استقلت بدري ورجعت قعدت في القاهرة واختفيت عن الأنظار. أنا بنيت اسمي وثروتي دي كلها بفضل ربنا ثم الألفين جنيه بتوعك يا حاج عبد الرحمن! الفلوس اللي ادتهالي زمان هي اللي نجت حياتي، وهي اللي دفعت بيها مصاريف سنتي الأخيرة في الكلية!
وهنا بص لي الدكتور رؤوف وبص لمراته، وقال وهو بيقلب في الذكريات
مراتي حكتلي إن بنتك جات النهاردة الصاغة، وباعت خاتم دهب صغيرذكرى من جدتهاوجابت بيه ألفين جنيه.. والفلوس دي بالظبط هي اللي تبرعت بيها لست عجوزة غريبة في الشارع وسابت أبوها في زنقته رحمةً بالست دي! انت مربي ملكة يا حاج عبد الرحمن.. بنت أصول، خرجت من نسلك النقي.. نفس المبلغ اللي انت اديتهولي زمان عشان تسترني وتنقذ مستقبلي، بنتك طلعت بنفس القيمة النهاردة وتبرعت بيه لربنا، فربنا رد لك المبلغ في نفس اليوم ونفس اللحظة، بس على هيئة طوق نجاة لعنيك!
الدموع كانت نازلة مننا كلنا في العيادة.. حرم الدكتور كانت بتبكي بكاء صامت، وأمي كانت بتتنفض من الفرحة والذهول، وبابا رفع راسه لفوق وقال الحمد لله.. سبحانك يا رب.. الودائع عندك لا تضيع أبداً.
الدكتور رؤوف مسك سماعته وأمر الممرضين فوراً
أغلقوا جدول العمليات للنهاردة.. مافيش ولا حالة هتدخل غرفة العمليات قبل الحاج عبد الرحمن شاكر! هاتوا أطقم التخدير والتجهيز فوراً!
قرب الدكتور من بابا، وباس إيده قدام كل الأطباء والمساعدين اللي كانوا واقفين مش فاهمين حاجة، وقال له
العملية دي مش مجاناً يا حاج عبد الرحمن.. العملية دي دفعة بسيطة جداً من دين قديم قوي في رقبتي. انت زمان رجعتلي بصري للحياة وللمستقبل، والنهاردة بأمر الله أنا هرجعلك بصرك عشان تشوف بيه عمل بنتك الصالحة.
أتجهز بابا للعملية، ودخل غرفة العمليات الاستثنائية، وقعدنا أنا وأمي وحرم الدكتور في الصالة بره ننتظر. الوقت كان بيمر بطيء جداً، وكل ثانية بتمر كان قلبي بيدق فيها مع كل استغفار. افتكرت اللحظة اللي كنت فيها واقفة في حارة الصاغة محتارة بين إني أساعد الست العجوزة ولا أقفل جيب شنطتي وأجري على المستشفى.. وعرفت إن ربنا ما بيسيبش حد يجبر خاطر عباده.
بعد ساعتين كاملين، باب غرفة العمليات اتفتح، وخرج الدكتور رؤوف وهو بيقلع الكمامة، ووشه منور بابتسامة عريضة هزت أركان المكان كله
خرج الدكتور رؤوف من غرفة العمليات وابتسامته تسبق خطواته، تنفسنا الصعداء وأمي مسكت في إيدي بقوة وكأنها خايفة تقع. قرب الدكتور منا وقال بنبرة مليانة فرحة واعتزاز أبشروا يا جماعة، بفضل الله ورحمته العملية نجحت بنسبة مية في المية! العدسة المعتّمة شلناها ونضفنا مجرى البصر، وتركيب العدسة الجديدة تم بأعلى دقة. الحاج عبد الرحمن في الإفاقة دلوقتي، وساعة زمن بالظبط وهينزل غرفة عادية، وبكرة الصبح أول ما نشيل الضمادة، هيفتح عينه ويشوفكم زي الفل بأمر الله!
سجدت أمي على أرض المستشفى الاستثماري تبكي وتشكُر ربنا بصوت يهز القلوب، وأنا وقفت مشدوهة مش قادرة أستوعب السرعة اللي ربنا قلب بيها الموازين؛ من بيع خاتم جدتي في الصاغة وحيرة الفجر، لسرير في أكبر مستشفى وجراح العيون الأول في مصر بيدين لأبويا بحياته!
مرت الساعة وكأنها دقيقة، ونقلوا بابا لغرفة خاصة فاخرة، كان ناغم في نوم خفيف أثر التخدير، وعينه ملفوفة بشاش أبيض. قعدت جنبه مسكت إيده الدافية، وبقيت أتأمل وشه الطيب اللي اتجعد من الشقا. الدكتور رؤوف كان بيلف على الغرفة كل شوية بنفسه، يأكد على الممرضات يهتموا بكل تفصيلة، ومراته حليمة هانم فضلت قاعدة معانا تآنسنا وتجيب لنا أكل وعصاير، رافضة تماماً تمشي قبل ما تطمن علينا.
على الساعة تسعة بالليل، بدأ بابا يتحرك ويردد اسمي بصوت خافت يا بنتي يا فاطمة
قربت منه بسرعة وبست إيده أنا هنا يا بابا، جنبك يا حبيبي، ألف سلامة عليك.. العملية خلصت ونجحت يا بركة حياتنا.
بابا اتنفس بعمق وقال بنبرة مكسورة دكتور رؤوف رؤوف هنا؟
الدكتور رؤوف قدم خطوتين وقعد على طرف السرير، ومسك إيد بابا التانية وقال برقة أنا معاك يا سيادة المستشار.. أنا جنبك يا أستاذي، ومش هسيبك.
بابا سكت شوية، والدموع بدأت تتسرب من تحت الشاش الملفوف على عينه، وقال بصوت متقطع أنا طول ال ٣٥ سنة اللي فاتوا يا رؤوف، كنت خايف يكون تصرفي معاك زمان هو اللي دمر حياتي المهنية.. بس لما سمعت صوتك النهاردة وعرفت إنك بقيت الجراح العظيم ده، حسيت إن الابتلاء اللي عشته السنين دي كلها كان يسوى..
هنا أمي وبصت لبابا بذهول وقالت له ابتلاء إيه يا عبد الرحمن؟! هو إيه اللي حصل بعد ما هربت الدكتور رؤوف زمان؟ انت طول عمرك قايلي إنك استقلت من النيابة عشان تتفرغ للتجارة ومشاغل الحياة!
تنهد بابا تنهيدة طويلة طالعة من أعماق قلبه، وقال لا يا أم العيال.. أنا مستقلتش بالسهولة دي. العمدة لما عرف إني هربت رؤوف وهرّبت التقرير الطبي الحقيقي اللي بيبراه، استخدم نفوذه كله مع ناس كبار في الوزارة وقتها، ولفقوا لي تهمة استغلال نفوذ والتستر على متهم فار.. خيروني وقتها بين