سلفتي ماتت اثناء الولادة

لمحة نيوز


كان لوحده ومحاط بالبلطجية. وقف بكل ثبات وجسده مشدود، وقال بنبرة مليئة بالتحدي أنت وأختك فاكرين إن البلد سدى؟ ولا فاكرين إن نور ملهاش رجالة؟ نور مراتي بكره يا سعيد، ورجولتك دي وريني هتعمل بيها إيه لمّا تترص في التخشيبة بتهمة الاعتراض والشروع في قتل! ارجع لأختك قولها سيف مش بيموت ولا بيبهاب الكلاب!
سعيد صرخ بغضب ورفع في وجه سيف محاولاً ضربه، لكن سيف تفادى بسرعة وحرفية، وأمسك بذراع سعيد وضرب رأسه في الحائط، واندلعت مشاجرة حامية بالشارع. تحرك الجيران والشباب على صوت الصراخ والضرب، وتجمعوا حولهم حتى اضطر سعيد ورفاقه للفرار في السيارة وهم يصرخون والوعيد.
رجع سيف للبيت وهدومه ممزقة وجسده به بعض الخدوش البسيطة. أول ما شافته جيهان صرخت ولطمت على صدرها سيف! يا حبيب أمك إيه اللي حصل لك؟! عملوا فيك إيه الأولاد الأبالسة دول؟!
نور جرت عليه وبكت بحرقة، وهي تمسك بيده الجريحة سيف.. عشان خاطري كفاية! أنا السبب في كل اللي بيحصل ده! لو هيجرالك حاجة أنا أموت نفسي!
سيف مسك إيد نور وضغط عليها بقوة وقبل رأسها، ثم نظر لأمه وقسم بصوت يزلزل البيت والله العظيم ما يهزوا شعرة مني يا أمي! الجروح دي وسام على صدري عشان أحمي مراتي وبنتي وأختي وعرضي. بكره المأذون هيجي، وبكره نور هتبقى مراتي على سنة الله ورسوله، وأعلى ما في خيل نجوى وأخوها يركبوه!
حلّ فجر اليوم الموعود. جمعت جيهان الأهل المقربين والعم متولي في منزله، وحضر المأذون الشرعي، وتم وضع دفتر العقد على الطاولة. نور كانت تجلس بجوار جيهان وهي ترتدي ثوبها الأبيض، ودموع الفرحة والرهبة تتساقط من عينيها.
وضع سيف يده في يد عمها متولي، وبدأ المأذون في تلاوة خطبة الحاجة وكلمات الزواج المباركة. وكانت جيهان تمسك بفتوى دار الإفتاء الرسمية بين يديها كأنها درع من ذهب، وتقرأ سورة يس وتحصن البيت بالدعاء.
وفجأة.. وقبل أن يضع المأذون القلم في يد نور لتبصم وتوقع العقد
انكسر باب الشقة الخارجي بصوت رعدي هز أركان البناية! ودخلت القوة الشرطية برفقة ضابط ومعه سامح ونحو أربعة من رجال الشرطة، وخلفهم تبتسم نجوى ابتسامة نصر خبيثة!
صرخ الضابط بصرامة وقوة وقف كل حاجة عندك يا مأذون! العقد ده باطل ومخالف للقانون!
وقفت جيهان وسيف ونور في صدمة شلت أركانهم، وتقدمت نجوى بخطوات بطيئة وضحكة تهكمية تواجه بها جيهان فاكرة إنك أذكى مني يا جيهان؟ أبو البنت قدّم بلاغ رسمي بإن البنت قاصر ومخطوفة، وإنكم بتجوزوها رغماً عن وليها وببدون إذنه، ومقدم شهادة ميلاد مزورة بتاريخ قديم! البنت هتمشي معانا دلوقتي للنيابة!
تجمعت الدموع في عين نور وصرخت صرخة استغاثة هزت أركان المكان، بينما وقفت جيهان كالمجنونة تحجب نور ببدنها، ورفع سيف ورقة الإفتاء والمستندات أمام الضابط وتوتر الموقف ليصل إلى نقطة الغليان والصدام المباشر!
اربتكت الصالة بالكامل، وانطلقت صيحات الغضب من العم متولي ورجال العائلة الذين هبوا من أماكنهم. تقدم سيف بصلابة وشجاعة، ووقف حائلاً بجسده بين ضابط الشرطة ونور، رافعاً يده بالحجة والأوراق الرسمية يا فندم اتفضل شوف الأوراق والبطاقة الشخصية لنور بنفسك! نور طالبة في الكلية، وبطاقتها الرسمية الصادرة من السجل المدني تثبت إنها كملت السن القانوني وزيادة، ومفيش أي خطف ولا قصر! الأستاذ سامح بيستغل وجودكم عشان ينفذ أغراض مراته اللي عاوزة تجبر البنت على الجواز من أخوها المسجل خطر!
نظر الضابط بحدّة ورائحة الشك تساوره، ثم سحب البطاقة الشخصية لنور وراجع بياناتها، وقارنها بالبلاغ المُقدم من سامح ونجوى. تجهم وجه الضابط والتفت لنحوهما بنبرة حادة إيه الكلام ده يا سامح؟ البلاغ مكتوب فيه إن البنت قاصر وفي سن حضانة! البطاقة دي رسمية ومستخرجة من الدولة وتثبت إنها تجاوزت السن القانوني ولها كامل الأهلية! أنت جاي تقدم بلاغ كاذب وتستغل الشرطة؟!
نجوى ارتبكت واصفرّ وجهها، لكنها اندفعت تصيح بكذب وتدليس يا فندم البطاقة دي مزورة! البنت دي رضيعة جيهان وأخت سيف في الرضاع، والجواز ده باطل شرعاً وقانوناً ويزني في أحكام الشريعة! أنا معايا شهود إن جيهان رضعتها مع ابنها سيف!
هنا تقدمت جيهان بخطوات ثابتة كالحديد، وعيناها تلمعان بقوة الحق، ورفعت الورقة المختومة بختم النسر وأعطتها للضابط مباشرة اتفضل يا فندم.. دي فتوى رسمية صادرة من دار الإفتاء المصرية ومختومة بختم الدولة. أنا اللي ربيت البنت وأنا اللي ذهبت بنفسي وأدليت بالشهادة أمام العلماء. الرضاع لم يكتمل لا عدداً ولا شبعاً، والشرع أقر بحلية الزواج وعدم وجود أي مانع! البنت دي بنتي بالتربية والسهر، والست دي جاية ببلطجية وبلاغات كاذبة عشان تبيع البنت لأخوها الصايع!
قرأ الضابط الفتوى الرسمية بتمعن، وراجع الختم والبيانات، ثم نظر إلى سامح ونجوى باستحقار شديد وقال بصوت صارم البلاغ ده كاذب، ومفيش أي جريمة ولا مخالفة للقانون هنا! البنت أنسة رشيدة ولها كامل الأهلية الشرعية والقانونية تتجوز اللي هي عاوزاه بكامل إرادتها. أنت يا سامح ومقيد معاك نجوى هتتفضلوا معايا على القسم بتهمة إزعاج السلطات وتقديم بلاغ كاذب والتهجم على منزل!
صرخت نجوى وهي تحاول التملص من أمناء الشرطة الذين قيدوا حركتها مش هسيبكم يا جيهان! والله العظيم لأحرق قلبك على ابنك والبنت دي مش هتهنى بيكم!
سحب رجال الشرطة نجوى وسامح المكسور الذليل إلى الخارج وسط ذهول وجلجل صياح الجيران الذين تجمعوا على السلم وعلموا بحقيقة شر نجوى ومخططاتها.
عادت الشقة إلى هدوئها، ووقع المأذون على الأوراق وهو يبتسم ويهنئ الجميع على بركة الله.. بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
بصمت نور في الدفتر ودموعها تنزل كاللؤلؤ، ثم وضع سيف توقيعه بقوة وثبات. التفت سيف ونظر إلى نور بعيون مليئة بالحنان والوفاء، ثم اتجه إلى أمه جيهان وانحنى على قدميها يقبلها ويدمع رضاكِ يا أمي هو اللي فتح لنا الأبواب المقفولة.. أنتِ اللي حميتينا وعملتِ المعجزة.
ضمت جيهان سيف ونور إلى صدرها في عناق طويل، وبكت بحرقة الفرح والتعب الذي تراكم على قلبها طوال عشرين عاماً. شعرت لأول مرة أن حقها وعرقها وسهرها مع الطفلة الرضيعة لم يذهب هباءً.
لكن الأحداث لم تنتهِ عند هذا الحد.
بعد مرور أسابيع قليلة على عقد القران، وبينما كان سيف ونور يستعدان لإتمام الانتقال لشقتهم الجديدة وإقامة حفل الزفاف البسيط، ظهر خطر جديد كاد يقلب الموازين.
خرج سعيد أخو نجوى من ملاحقته الشرطية، وبعد أن أُفرج عن نجوى وسامح بكفالة على ذمة قضية البلاغ الكاذب، قرر سعيد الانتقام بطريقة إجرامية. اتصل سعيد بسيف هاتفياً بصوت مليء بالغل والشر فاكر إنك كسبت يا بشمهندس؟ أختي اتفضحت وأنا أسمي اتمسح بيه الأرض بسببكم.. لو مش هتجيب لي نور ودفتر العقد وتقعد نتفاوض، القنبلة اللي هتحرق قلب أمك جاهزة، وأختك أو أمك مش هيشوفوا نور الشمس تاني!
لم يكتفِ سعيد بالتهديد، بل بدأ بمراقبة تحركات جيهان ونور عند ذهابهن للكلية أو السوق. وفي يوم ممطر، وأثناء عودة نور من كلية التربية بمفردها، اعترضت سيارة سعيد طريقها في شارع جانبي هادئ، ونزل منها اثنان من أعوانه وحاولوا
 

تم نسخ الرابط