12 سنة

لمحة نيوز


قضائية نهائية. عندما علم مدير مدحت بالأمر، استدعاه إلى مكتبه وعنفه بشدة
إيه المهازل دي يا مدحت؟ أحكام حجز، وأوراق محاكم جاية الشركة، وضباط بيسألوا عنك؟ سمعة الشركة مش لعبة، قدامك مهلة تسوي مشاكلك دي فوراً وإلا هتقُدم استقالتك أو يتم إنهاء خدمتك للحفاظ على اسم المؤسسة!
خرج مدحت من مكتب مديره والدنيا تدور به. أصبحت كل الطرق مسدودة في وجهه لا شقة يسكنها، ولا عروس ينتظرها، ولا حساب بنكي يستطيع السحب منه، والآن وظيفته التي هي مصدر رزقه الوحيد باتت على شفير الهاوية.
رجع إلى منزل خاله، ليجد الحاجة فايزة تبكي بحرقة بعد أن وصلها خبر التحفظ على الأثاث والممتلكات، وأسقط في يدها أن كل المخططات التي رسمتها لوليدها قد تحولت إلى رماد، وأن ريهام التي ظنتها جداراً قصيراً يمكن قفزه بسهولة، أصبحت جبل صلب يتحطم عليه كبرياؤهم.
في هذه الأثناء، كانت ريهام تقف أمام مرآتها في الشقة، ترتدي ملابس أنيقة وتضع لمسات خفيفة من الزينة التي حرمت نفسها منها لسنوات طويلة تحت وطأة الحزن والحرمان. نظرت إلى وجهها لتجد أن ملامحها قد استردت بريقها وشبابها، وأن سن السابعة والثلاثين ليس نهاية المطاف بل بداية جديدة لامرأة عرفت قيمة نفسها واستعادت كرامتها المغتصبة.
خرجت ريهام متجهة إلى مقر عملها، ممتلئة بالثقة واليقين بأن الحق إذا وجد من يدافع عنه بشجاعة لا يمكن أن يضيع. لكنها لم تكن تعلم أن مدحت، بعد أن أغلقت بوجهه كل الأبواب المشروعة وغير المشروعة، يتجهز لإطلاق رصاصة طيش أخيرة، مجنونة وغير متوقعة، ستغير مجرى الأحداث كلياً وتضع الجميع أمام مواجهة لم يحسب لها أحد أي حساب.
وقفت الحاجة فايزة في منتصف صالة منزل أخيها الضيق، تلوح بيديها في الهواء كالمجنونة وصوتها يتردد بين الجدران بالدعاء والوعيد، بينما كان مدحت يجلس على طرف الأريكة، ينظر إلى الفراغ بأعين حمراء غائرة. كانت فكرة الفشل والخسارة الكاملة تأكل رأسه؛ لقد فقد الشقة، وضاعت منه علا وألغيت الزواجة، وحُجز على حسابه البنكي وراتبه، وبات مهدداً بالسجن في أي لحظة بسبب دعوى تبديد المنقولات. لم يعد لديه ما يخسره، وفي تلك اللحظة بالذات، ولد في عقله المشتت مخطط خطير وسوداوي.
التفت مدحت إلى أمه وقال بنبرة جافة كالحديد
خلاص يا أمي.. النواح والمحاكم مش هيرجعوا لينا حقنا ولا هيرجعوا كرامتي اللي اتعجنت في الطين. ريهام فاكرة إن القانون بيحميها، وفاكرة إن شقيقها والمحامي حيطة سد.. أنا هعرف إزاي أخليها تجيلي بنفسها تبوس إيدي وتتنازل عن كل حاجة.
في صباح اليوم التالي، خرجت ريهام من بوابتها متجهة إلى مقر عملها في إحدى شركات المقاولات الكبرى. كانت تمشي بقمة ثقتها، مرفوعة الراس، تحيط بها مشاعر الحرية والكرامة بعد سنوات من القهر والتهميش. لكن ما لم تكن تعلمه هو أن مدحت كان يراقبها من بعيد، يقف داخل سيارة قديمة استأجرها باسم أحد معارفه، يتابع خطواتها وينتظر اللحظة المناسبة.
أنهت ريهام عملها في تمام الساعة الرابعة عصراً، وتوجهت إلى أحد المتاجر الكبرى لشراء بعض المستلزمات لشقتها. أثناء عودتها في طريق جانبي شبه خالٍ يؤدي إلى بنايتها، توقفت السيارة القديمة فجأة بجانبها. فتح مدحت الباب وهبط منها بسرعة كالبرق، يرافقه رجلان من ذوي البنية القوية من أصدقاء السوء الذين استعان بهم ببعض المال المتبقي معه نقدياً.
قبل أن تستوعب ريهام ما يحدث أو تطلق صرخة استغاثة، حاصرها الرجلان وضغطا على ذراعيها بقوة، بينما قام مدحت بسحب حقيبة يدها التي تحتوي على أوراق ملكية الشقة، وهاتفها المحمول، والبطاقات البنكية، بالإضافة إلى العقد الأزرق المسجل الذي كانت تحمله معها للذهاب به إلى المحامي لمتابعة إجراءات الجلسة القادمة.
دفعت ريهام مدحت بكل ما أوتيت من قوة وهي تصرخ بثبات ورعب
إنت أجننت يا مدحت؟ جاي تثبتني في الشارع وتسرقني؟ فاكر إنك بكده هتاخد الشقة؟
رد مدحت بنبرة مشحونة بالغل وهو يمسك الحقيبة بقوة
الورق ده هو اللي قويكي عليا يا ريهام! العقد الأزرق ده اللي أخدتي بيه الشقة وطردتيني أنا وأمي! الورق ده هيتحرق دلوقتي، وأنتي مش هتشوفي مليم ولا شقة تاني، ولو فكرتي تبلغي، صورك وأوراقك الشخصية اللي في الشنطة هتوصل لكل مكان وهفضحك!
دفِعت ريهام على الأرض وسقطت على الرصيف، بينما قفز مدحت والرجلان داخل السيارة وانطلقوا بسرعة جنونية تاركين أثراً من الغبار. وقفت ريهام على قدميها، تمسح التراب عن ثيابها. كان ذهول الصدمة يلفها لدقائق، لكن دموع الانكسار لم تجد طريقها إلى عينيها هذه المرة أيضاً؛ بل حل محلها غضب ساطع كالشمس.
استجمعت ريهام قواها وتوجهت فوراً إلى أقرب قسم شرطة. في نفس الوقت، كان شقيقها والأستاذ مراد المحامي قد وصلا إلى القسم بعد أن أبلغتهما هاتفياً من هاتف أحد المحلات المجاورة لموقع الحادث.
دخلت ريهام إلى مكتب رئيس المباحث، وروت له التفاصيل بالكامل، محددة أرقام لوحة السيارة التي استطاعت بذكائها وقوة ملاحظتها حفظها قبل فرارهم، بالإضافة إلى تحديد أسماء الأشخاص الذين كانوا مع مدحت.
قال الأستاذ مراد لرئيس المباحث بصرامة قانونية
سيادة المقدم.. الواقعة دي مش مجرد خلاف زوجي، دي سرقة بالإكراه في الطريق العام، وترويع للمواطنين، وإتلاف مستندات رسمية مسجلة. المتهم يستغل عدم وجود هاتف مع الموكلة ويحاول ابتزازها للتنازل عن قضايا الخلع والتبديد والحجز البنكي.
أمر رئيس المباحث فوراً بتشكيل قوة تحريات سريعة وتفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بالمحل الشارع الذي شهد الواقعة. خلال أقل من ساعتين، كانت الكاميرات قد التقطت التفاصيل كاملة بالصوت والصورة مدحت وهو يتهجم على ريهام، ويسرق حقيبتها ويدفعها أرضاً بمساعدة شخصين آخرين.
تم تحرير محضر جنائي عاجل بتهمة السرقة بالإكراه، والاعتداء في الطريق العام، والابتزاز، وصدر أمر ضبط وإحضار فوري لمدحت والشخصين المشاركين معه.
في هذه الأثناء، كان مدحت يجلس في مقهى مهجور في أطراف المدينة، يحاول حرق الأوراق والعقد الأزرق وهو يظن بغباء شديد أنه بحرق الورق قد ألغى ملكية ريهام للشقة، متجاهلاً أن العقد مسجل إلكترونياً ورسمياً في أروقة الشهر العقاري ولدى المحكمة، وأن ما يحمله ليس سوى النسخة الورقية التنفيذية التي يمكن استخراج بدل فاقد لها في دقائق معدودة.
بينما كان مدحت يبتسم بانتصار زائغ وهو ينظر إلى النيران وهي تأكل حقيبة ريهام، اقتحمت سيارات الشرطة المكان. صدم مدحت عندما وجد نفسه محاطاً برجال المباحث والكلاب الشرطية. أُلقي القبض عليه وعلى شريكيه متلبسين بآثار الجريمة والمستندات المحترقة جزئياً في أيديهم.
تم اقتاد مدحت مكبلاً بالأغلال إلى قسم الشرطة. وفي الصباح الباكر، أُحيل إلى النيابة العامة متلبساً بجريمة جنائية لا تفيد فيها الشفاعات ولا التأجيلات.
تقابلت عينا ريهام بعيني مدحت أمام باب النيابة. كان يرتدي الكلبشات في يديه، وجهه شاحب وملابسه ممزقة من أثر القبض عليه، بينما كانت هي تقف بجوار شقيقها والمحامي، شامخة كالصرخة الحرة.
نظر إليها مدحت بصوت مكسور يتوسل الرحمة
ريهام.. الحقيني يا ريهام، أمي هتموت فيها لو اتحبست.. تنازلي عن المحضر وأنا هكتبلك تنازل عن كل حاجة ومش هتشوفي وشي تاني!
ردت ريهام بصوت هادئ، حاسم، يقطع القول ويعلن ختام فصل ويفتح أبواب فصل أشد ضراوة
اللي عملته إمبارح يا مدحت
أثبتلي إنك مش بس طماع.. إنت مجرم. والقانون مش هيسيبك، وأنا مش هتنازل عن حق الشارع ولا حق كرامتي اللي حاولت تدوس عليها. استعد للجلسة الجاية.. لأن السجن مش هيبقى نهاية قصتك، ده هيبقى بداية الحساب الحقيقي.

 

تم نسخ الرابط