عقد عرفى أمانى السيد
لورا من غير ما تحس، وقولت بصوت واطي بس رنان سمعه كل اللي واقفين العشا اللي بتقولي عليه ده تعملوه بإيديكم، والبيت ده مش هحط فيه قشة تانية.. تلت سنين شيلت وساختكم وخدمتكم بلقمتي وكرامتي، والنهاردة خلاص، الحساب اتقفل.
جوزي اتنطر من مكانه وجري عليا، وشه مخطوف من المفاجأة وقال وهو بيزعق عشان يداري خيبته قدام أمه انتي اتجننتي يا بت؟! انتي نسيتي نفسك؟! غوري على فوق بدل ما أمد إيدي عليكي قدام الكل!
قربت منه خطوة واحدة، ومرفعتش عيني عن عينه وقولتله ببرود يقهر تمد إيدك على مين؟ انت مصدق إنك راجل بجد؟ الراجل اللي يقبض تمن مراته ويبيعها ويستقوى عليها وسط حريمه ميتسماش راجل.. انتوا فاكرين إنكم كسرتوني بالورقة العرفي؟ الورقة دي تثبت إني كنت مغفلة، بس تثبت قدام ربنا والناس كلها إنكم نصابين وبتتاجروا ببنات الناس.. وأنا خارجة من هنا ومش راجعة، وأعلى ما في خيلكم اركبوه.
رميت مفتاح الشقة على الأرض قدام رجليه، ولفيت ضهري ومشيت ناحية الباب بخطوات تقيلة وواثقة، وسيبت ورايا بيت بيغلي من الصدمة، وأنا عارفة إن اللي جاي مش سهل، بس أهون ألف مرة من العيشة تحت مداس رجليهم.
خرجت من باب البيت والشمس بتضرب في وشي، لأول مرة من تلت سنين أحس بنسمة هوا نضيفة تدخل صدري، مفيهاش ريحة تراب سلالمهم ولا زفارة مطابخهم. رجلي كانت بتمشي بسرعة كأن الأرض نفسها بتطردني بعيد عن كابوسهم، والشنطة الصغيرة في إيدي خفيفة، بس الحمل اللي جوايا كان أتقل من جبال الدنيا.
وصلت حارة أبويا، البيت القديم المتهالك اللي اتربيت فيه. طلعت السلم وأنا قلبي بيدق زي الطبول؛ مكنتش خايفة من مواجهته، كنت مستنية أشوف وشه لما يعرف إن البضاعة اللي باعها رجعتله تاني كاسرة قيودها.
فتحت الباب بالمفتاح القديم اللي كان لسه معايا، لقيته قاعد على الكنبة بيشرب شاي ويدخن، أول ما شافني تنح وبصلي من فوق لتحت وقال باستغراب إيه اللي جابك يا بت في وقت زي ده؟ وفين جوزك؟ مفيش حد بيسيب بيته في عز النهار كده!
قربت منه، رميت الشنطة على الترابيزة قدامه ووقفت مصلوبة الطول وقولتله بصوت قاطع جوزي رايح يخطب بنت عمه يا أبا.. وقالي انزلي اخدمي أمي تحت بعد ما شبعوا مني تلت سنين بالورقة اللي كتبتهالي وضحكت عليا بيها.
أبويا وشه اصفر في ثانية، وحط كوباية الشاي بإيد مرتعشة وقال وهو بيحاول يداري ارتباكه تخطب إيه وتخاريف إيه؟! انتي اتجننتي؟ دا راجل شاري وبيدفع، وأنا متفق معاه أول ما تتمي السن نكتب رسمي.. انتي أكيد عملتي مصيبة ولا قصرتي في خدمته وزعلتيه!
ضحكت بسخرية وجع وقهر، وقربت منه خطوة زيادة وقولتله شاري إيه يا راجل يا طيب؟ شاري خدامة ببلاش؟ قالي بعضمة لسانه إنه دفعلك تمن خدمتي كاش من زمان وإن ملكيش عندي ولا مليم ولا حق.. بعتني بكام يا أبا؟ التلت سنين ذل وإهانة وضرب وقلة قيمة كانوا بكام في جيبك؟!
أبويا قام وقف وعينه زاغت من الحقيقة اللي انكشفت في وشه، رفع صوته عشان يداري خيبته وقال صوتك ميعلاش عليا يا فاجرة! دا ستر وغطا عليكي، وبدل ما تحمدي ربنا جاية تعلي حسك؟ تلمي هدومك وترجعي تبوسي راس جوزك وحماتك، البيت ده ملوش مكان ليكي، والناس هنا مبترحمش المطلقة، فما بالك باللي جوازها ملوش قسيمة رسمي!
في اللحظة دي عرفت إن الضهر اللي كنت مستنياه يقويني مكسور من زمان، وإن السند اللي كنت فاكراه أبويا كان هو أول واحد غرس السكينة في ضهري.
بصيتله بجمود كأن المشاعر كلها ماتت جوايا، وقولتله الناس هتعرف الحقيقة كلها يا أبا.. هتعرف إنك قبضت تمن بنتك القاصر ورميتها لجواز عرفي باطل.. والبيت ده أنا مش قاعدة فيه دقيقة واحدة، بس قسماً بربي، كل مليم خدته من ورايا وكل كسرة اتكسرتها في البيت داك، هتدفعوا تمنها، أنتوا وهو، بالقانون وبالشرع.
لفيت ضهري وخرجت وسيبته واقف بينادي عليا برعب وهو خايف من الفضيحة وسط أهل الحارة، ونزلت الشارع وأنا باخد عهد على نفسي مش هرجع لنقطة الصفر، وهاخد حقي تالت ومتلت من كل اللي ظلموني.
نزلت الشارع وراسي مرفوعة، بس رجلي مكنتش عارفة توديني فين. الشوارع كانت زحمة والناس رايحة وجاية، وكل واحد ملهي في حاله، وأنا واقفة في وسطهم شنطتي في إيدي ودمي بيفور، بس مفيش في جيبي غير ملاليم متكفيش حتى أجرة مواصلة لآخر الخط.
افتكرت الست أم بطرس، جارتنا القديمة وصاحبة أمي الله يرحمها من زمان، الست الوحيدة اللي كانت بتخاف عليا وبتحذر أمي من طمع أبويا. مشيت لحد بيتها في آخر الحارة ودقيت الباب وأنا حابسة نفسي. أول ما فتحت وشافتني بوشي الشاحب والشنطة في إيدي، سحبتني لجوة وقفلت الباب من غير ما تنطق بحرف.
قعدتني على الكنبة وجابتلي كباية مية، وبصت في عيني وقالت بحنية الدنيا عملوا فيكي إيه يا بنتي؟ أبوكي رماكي تاني؟
ساعتها بس، الوجع انفجر، حكيتلها كل حاجة من أول يوم دخلت فيه البيت بالورقة العرفي لحد ما البيه طالع يخطب بنت عمه وعايزني جارية لأمه.
أم بطرس خبطت على صدرها بذهول وقالت بغيظ ولاد الحرام! فاكرين الدنيا سايبة ومفيهاش حكومة ولا قانون؟! ده جواز قاصرات واتجار بيكي يا ضنايا! اسمعي مني، بنتي شغالة في جمعية حقوقية وعندهم محامين بياخدوا حق الغلابة اللي زيك من غير ولا مليم.. قسماً بالله ما نسيب حقك يروح هدر!
في نفس الليلة، اتواصلنا مع محامية من الجمعية، وقالتلي بوضوح إحنا مش بس هنرفع قضية إثبات زواج ونطالب بحقوقك ونفقتك ومتعتك عن التلت سنين دول، إحنا كمان هنقدم بلاغ في النيابة ضد جوزك وأبوكي بتهمة تزويج قاصر وتزوير والتعدي على حقوق طفلة، والقانون هنا هيجيبهم راكعين.
الخبر نزل على عيلة جوزي وأبويا زي الصاعقة في تاني يوم الصبح، لما لقى نفسه مطلوب في القسم وبلاغ رسمي بيهدد بسجن الكل وفضيحة وسط البلد كلها، وعيلة بنت عمه لغت الخطوبة فوراً وطردوه لما عرفوا إنه مهدد بالحبس وإنه متجوز عيلة عرفي وواكل حقها.
جه أبويا يجري وراه جوزي، مستعطفين ومرعوبين من الفضيحة والسجن، ووقفوا تحت رجل الست أم بطرس يترجوا إني أتنازل وأقفل المحاضر.
فتحت الباب وبصيت لجوزي اللي كان من يومين رافع مناخيره في السما وفاكرني ملطشة، شوفته واقف مكسور ومذلول ودموعه في عينه وبيقولي بصوت واطي استري عليا يا بنت الأصول، نكتب رسمي دلوقتي واديكي كل اللي تطلبيه بس بلاش الفضيحة والسجن!
بصيتله من فوق لتحت بابتسامة نصر باردة وقولتله ستر؟ الستر ده مكنتش تعرفه وأنا بتهان تحت رجل أمك؟ متأخر يا سيد الرجالة.. الورقة اللي قولتلي هتبلها وتشرب ميتها، هي اللي هتفتحلك باب السجن على مصراعيه.. وحقي هاخده تالت ومتلت بالقانون.
سكت ثانية وبصيت في عينيه الاتنين وهو واقف مرعوب، كأنه عيل صغير عمل مصيبة ومستني العقاب. مكنتش شيفاه راجل ولا حتى إنسان، كان مجرد كائن جبان كل همه ينجد رقبته من الحبس والفضيحة اللي كانت هتطين عيلته كلها وسط