جوزي منعني
حضرتك مطلوب في قاعة مجلس الإدارة الساعة تسعة.
ضحك محمود بسخرية.
اجتماع مجلس إدارة وأنا معرفش عنه؟
اتحدد امبارح بالليل.
بخصوص إيه؟
معرفش يا فندم.
طلع الأسانسير وهو متضايق.
لكنه لسه ماكانش خايف.
كان فاكر إن الموضوع ممكن يكون ترقية جديدة، أو إعادة هيكلة، أو حتى مسؤولية أكبر.
وصل للدور الأخير.
وأول ما باب الأسانسير اتفتح
لاحظ حاجة غريبة.
مدير الموارد البشرية واقف.
مدير الشؤون القانونية موجود.
مدير المراجعة الداخلية موجود.
واتنين من أعضاء مجلس الإدارة كانوا داخلين القاعة.
هنا بس، بدأ القلق يدخل قلبه.
الساعة تسعة بالظبط، فتح باب قاعة الاجتماعات ودخل.
وفي اللحظة اللي رفع فيها عينه ناحية رأس الترابيزة
وقف مكانه.
كان خالي رياض قاعد هناك.
محمود كان يعرفه طبعًا.
كل موظف كبير في المجموعة يعرف رئيس مجلس الإدارة.
لكن عمره ما عرف إن رياض الشناوي
خالي.
رياض بصله وقال بهدوء
اتفضل يا أستاذ محمود. اقعد.
محمود قعد.
قدامه كان فيه ملف كبير.
على غلافه اسمه بالكامل.
بدأ مدير الموارد البشرية الكلام
خلال الشهور اللي فاتت وصلتنا عدة شكاوى مرتبطة بإدارتك.
محمود قاطعه فورًا
شكاوى إيه؟ أنا أول مرة أسمع الكلام ده.
مدير الموارد البشرية فتح الملف.
شكوى من موظف
بيقول إن حضرتك هددته بالنقل بعد ما اعترض على قرار إداري.
وقلب الصفحة.
شكوى تانية من موظفة بتقول إن حضرتك أهنتها قدام زمايلها.
صفحة تالتة.
تقرير عن استخدام سيارة مخصصة للعمل في أغراض شخصية بشكل متكرر.
صفحة رابعة.
مصروفات ضيافة واجتماعات عليها ملاحظات من المراجعة الداخلية.
محمود بدأ يتوتر.
كل ده كلام موظفين فاشلين وأنا كنت بحاسبهم على شغلهم.
مدير المراجعة الداخلية قال
لو كانت مجرد شكاوى، كنا هنحقق فيها وتنتهي. المشكلة إن فيه مستندات ورسائل وشهادات بتدعم جزءًا كبيرًا منها.
محمود سكت.
وبعدين بص لرياض وقال
أنا مش فاهم ليه رئيس مجلس الإدارة بنفسه حاضر اجتماع زي ده.
رياض شبك إيديه قدامه.
لأن اسمي اتستخدم من غير إذني.
اسم حضرتك؟
بعض المديرين كانوا فاكرين إنك تحت حمايتي، وعشان كده شكاوى ضدك ما اتصعدتش بالشكل المفروض.
محمود اتفاجئ.
حمايتك؟ أنا مالي بحضرتك؟
رياض بصله ثواني.
وبعدين قال
فعلًا إنت ما تعرفش.
سحب ملف أصغر من جنبه.
فاكر أول مقابلة عمل ليك هنا من 3 سنين؟
طبعًا.
فاكر إزاي جالك الاتصال؟
محمود رد بثقة
قدمت زي أي حد.
رياض قال
قدمت فعلًا. وسيرتك الذاتية كانت وسط مئات السير الذاتية.
سكت لحظة.
ثم كمل
لكن فيه شخص اتصل بيا وطلب مني طلب واحد إنك تاخد فرصة عادلة للمقابلة.
ملامح محمود اتغيرت.
مين؟
رياض بصله مباشرة.
مراتك.
محمود ما ردش.
كأنه ما فهمش الكلمة.
رياض كمل
فاليريا بنت أختي.
اللون اختفى من وش محمود.
إيه؟
فاليريا بنت أختي وعادل، والدها الله يرحمه، كان جوز أختي.
محمود فتح بقه لكنه ماعرفش يقول حاجة.
رياض قال
هي طلبت مني ما أقولكش. كانت عايزاك تدخل الشركة وإنت مقتنع إنك وصلت بقدرتك.
محمود حاول يتكلم
بس أنا نجحت في شغلي بنفسي.
محدش قال غير كده.
رد رياض بهدوء
أنت عندك كفاءة. عشان كده فضلت موجود. لكن لما أخطأت في البداية، أخدت فرص زيادة عن غيرك.
فتح ملف قدامه.
برنامج التدريب اللي دخلته بعد تقييمك الضعيف؟
محمود سكت.
أنا وافقت عليه.
وقلب ورقة.
قرار نقلك اللي اتوقف؟
سكت محمود.
أنا طلبت إعادة تقييمه.
وقلب ورقة تانية.
المرشد الإداري اللي اتخصص لك لمدة ست شهور؟
رفع عينه.
أنا اللي طلبته.
محمود بقى باصص للترابيزة.
رياض قال
وكل مرة كنت بسأل فاليريا أقول له؟
كانت بترد
لأ يا خالي. سيبه يحس إن نجاحه بتعبه.
لأول مرة، محمود ماكانش عنده رد.
وبعد حوالي دقيقة قال
يعني الاجتماع ده بسبب اللي حصل بيني وبين فاليريا امبارح؟
رياض اتغيرت نبرة صوته.
لأ.
زق الملف الكبير ناحيته.
الاجتماع ده بسبب الملف ده.
ثم أضاف
ولو كنت هحاسبك عشان جرحت بنت أختي، كنت أبقى شخص ما ينفعش يدير شركة.
أشار لمدير الشؤون القانونية.
الراجل بدأ يعرض نتائج التحقيق.
شهادات.
إيميلات.
مراسلات داخلية.
مصروفات غير مبررة.
قرارات اتاخدت بالمخالفة للإجراءات.
وشكاوى كان المفروض يتم التحقيق فيها من شهور.
محمود حاول يدافع عن نفسه.
قال إن الموظفين بيتآمروا عليه.
قال إن بعض المصروفات كانت لمصلحة العمل.
قال إن أسلوبه حازم مش مهين.
لكن كل ما كان بيتكلم، كانوا بيطلعوا مستند جديد.
وفي النهاية، مدير الموارد البشرية قفل الملف.
رياض قال
القرار اتاخد بالإجماع.
محمود رفع عينه.
قرار إيه؟
إنهاء خدمتك من منصبك، طبقًا لنتائج المراجعة والإجراءات القانونية للشركة.
محمود وقف فجأة.
حضرتك بتطردني؟
رياض رد
الشركة هي اللي أنهت خدمتك.
عشان مراتك قصدي بنت أختك اشتكت مني؟
فاليريا ما اشتكتش من شغلك أصلًا.
الجملة دي كانت أقسى عليه من أي حاجة.
لأنها سحبت منه آخر حجة كان ممكن يتعلق بيها.
خرج محمود من القاعة وهو مش شايف قدامه.
أول ما دخل الأسانسير، طلع موبايله واتصل بيا.
كنت وقتها قاعدة جنب أمي.
شفت اسمه.
ما رديتش.
اتصل تاني.
وتالت.
وبعدين وصلتني رسالة
إنتِ عملتي فيا إيه؟
بصيت للرسالة باستغراب.
وبعدها وصلت رسالة تانية
إنتِ قريبة رياض الشناوي؟!
فضلت باصة للشاشة.
أمي سألتني
محمود؟
هزيت راسي.
قالت
هتردي؟
قلت
آه المرة دي هرد.
اتصل للمرة الرابعة.
فتحت.
صوته كان مختلف تمامًا عن امبارح.
فاليريا إنتِ بنت أخت رياض الشناوي؟
أيوه.
وإنتِ اللي دخلتيني الشركة؟
قلت
أنا طلبتلك مقابلة. إنت اللي دخلت المقابلة، وإنت اللي اشتغلت.
سكت شوية.
وبعدين قال
طب ليه ما قلتيليش؟
عشان ما تحسش يوم إنك أقل مني.
سكت.
قلت
بس واضح إني وأنا بحاول أحافظ على كرامتك، نسيت أحافظ على كرامتي أنا.
قال بسرعة
أنا اترفدت.
عرفت.
خالك انتقم مني.
لأ يا محمود. أنا طلبت منه بالحرف إنه ما يرفدكش عشان اللي بينا.
سكت.
قلت
لو ملفك كان سليم، كنت هتفضل في شغلك.
صوته هدي فجأة.
إحنا ممكن نصلح اللي حصل.
ما رديتش.
قال
أنا كنت متعصب امبارح. وأمي ضغطت عليا. موضوع الطلاق ده نلغيه ونبدأ من جديد.
غمضت عيني.
من أقل من 24 ساعة، نفس الراجل كان بيقولي
من غيري هتموتي من الجوع.
دلوقتي بيطلب فرصة.
قلت
محمود إنت مش عايز تصلح جوازنا.
مين قالك؟
لأن أول مرة اتصلت بيا بعد ما خرجت من البيت، ما سألتنيش وصلت لأمي ولا لأ. ما قلتليش ربنا يرحم أبوكي. ما اعتذرتش.
سكت.
كملت
إنت بعتلي تقولي أرجع أعتذر لأمك.
ما ردش.
ودلوقتي بتكلمني بعد ما خسرت شغلك.
قال بعصبية
يعني هتسيبيني وأنا واقع؟
ابتسمت بحزن.
أنا وقفت جنبك وإنت واقع قبل كده يا محمود. الفرق إن وقتها كنت بتحترمني.
وقفلت المكالمة.
بعد أقل من ساعتين
حماتي اتصلت.
ما رديتش.
اتصلت تاني.
وبعدين بعتت رسالة صوتية.
فتحتها.
صوتها كان بعيد تمامًا عن الست اللي كانت واقفة قدام الباب بتتحداني أمضي.
يا بنتي، البيوت ما تخلاش من المشاكل ومحمود عصبي وإنتِ عارفاه. تعالي نتكلم ونحل الموضوع بينا.
ما رديتش.
بعدها بيومين، رجعت القاهرة.
لكن مش عشان أرجع لمحمود.
رجعت عشان أكمل إجراءات الطلاق وآخد باقي حاجتي.
لما وصلت الشقة، لقيت حماتي هناك.
أول ما شافتني قامت.
فاليريا
قلت
أنا جاية آخد حاجتي بس.
قالت
إحنا كنا زعلانين. والكلام
وقت الزعل ما يتحسبش.
بصيتلها.
بس الورق كان مجهز قبل الخناقة يا حاجة ثريا.
سكتت.
محمود خرج من الأوضة.
كان شكله مرهق.
قرب مني وقال
أنا غلطت.
دي كانت أول مرة أسمعها منه.
أنا غلطت.
من كام يوم بس، كنت ممكن أبيع عمري كله عشان أسمع منه الجملة دي.
لكن دلوقتي
كانت متأخرة.
قال
عرفت قيمتك.
رديت
لأ يا محمود. إنت عرفت قيمتي لما عرفت اسم عيلتي.
هز راسه بسرعة.
مش صح.
قلت
طيب جاوبني على سؤال.
سكت.
لو كنت لسه المدير الإقليمي، ولو خالي ماكانش رياض الشناوي، ولو كنت أنا فعلًا الست
اللي مرتبها بالعافية مكفيها زي ما قلت
كنت هتطلب مني أرجع؟
ماعرفش يرد.
وكان سكوته كفاية.
دخلت الأوضة.
جمعت باقي حاجتي.
وقبل ما أخرج، لقيت صورة فرحنا في درج جانبي.
وقفت أبصلها شوية.
كان محمود في الصورة بيضحك.
وأنا كنت باصة له كأني كسبت الدنيا كلها.
رجعت الصورة مكانها.
وخرجت.
بعد شهور، الطلاق تم رسميًا.
محمود حاول يشتغل في شركات تانية.
وفي الآخر لقى وظيفة فعلًا، لكن أقل بكتير من المنصب اللي كان فيه.
مش لأن خالي حاربه.
بالعكس، خالي رفض تمامًا إنه يتدخل في مستقبله بعد خروجه من الشركة.
قال لي
الحساب خلص عند باب الشركة. بعد كده حياته تخصه.
أما أنا
فأخدت قرار كنت
مأجلاه سنين.
سيبت الشركة الصغيرة اللي كنت شغالة فيها، لكني برضه ما رحتش أشتغل مع خالي.
فتحت مكتب استشارات مالية ومحاسبية صغير باسمي.
وأمي ساعدتني أختار المكان.
وفوق مكتبي حطيت صورة أبويا.
وبعد سنة بالظبط
في ذكرى وفاته التانية
رجعت مع أمي لنفس الكنيسة.
ولعت 3 شمعات زي السنة اللي فاتت.
أمي سألتني وهي مبتسمة
والتالتة دي لمين؟
بصيت للشمعة.
وقلت
السنة اللي فاتت ماكنتش عارفة.
ودلوقتي؟
ابتسمت.
ليا.
أمي مسكت إيدي.
وقبل ما نخرج، وقفت قدام صورة أبويا الصغيرة اللي كنت شايلها في شنطتي وهمست
فاكر يا بابا اليوم اللي خرجت فيه عشان أولعلك شمعة وخسرت جوازي؟
سكت لحظة.
وبعدين ابتسمت.
طلع إني ما خسرتش بيتي يومها
أنا بس خرجت من مكان كان بيقنعني كل يوم إنه بيتي.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة كان المفروض أفهمها من زمان
الحب مش إنك تستحمل الإهانة عشان البيت يفضل واقف.
والوفاء مش إنك تفضل تسامح شخص كل مرة يكسر فيك حتة جديدة.
وأحيانًا
أصعب باب بتقرر تخرج منه،
هو نفسه الباب اللي أول ما بيتقفل وراك بتبدأ حياتك الحقيقية.
تمت.