القصة كاملة بقلم محمد عبده
أحد لثوانٍ طويلة كأن الجميع ينتظر أن يستيقظ من كابوس مفاجئ.
لكن الحقيقة كانت أوضح من أن تُنكر.
كريم وقف مكانه، ملامحه شاحبة، وعينيه تدوران بين الحضور كأنه يبحث عن أي شخص ينقذه لكن لا أحد تقدم.
نيرمين حاولت التماسك، وقالت بصوت مهزوز
أنا أنا مليش دعوة بأي حاجة! ده كله شغل مش أكتر!
نظرت لها بهدوء وقلت
شغل؟ قدام 500 موظف؟
صمتت فورًا.
المستشار القانوني تقدّم خطوة، وأخرج عدة أوراق أخرى
فيه كمان تحويلات مالية تمت خلال الشهور اللي فاتت مرتبطة بحسابات شخصية.
اتسعت عيون كريم
إنتو بتراقبوني؟!
رد والدي ببرود
إحنا بنحمي الشركة.
بدأ بعض أعضاء مجلس الإدارة يقتربون، وأحدهم قال
الأستاذ كريم ياريت تتفضل معانا علشان نكمل الإجراءات.
تراجع كريم خطوة، ثم نظر لي بنظرة ممتلئة بالغضب والانكسار
إنتِ عملتي فيا كده؟ بعد كل السنين دي؟
رفعت رأسي بثبات
أنا ما عملتش فيك حاجة إنت اللي عملت ده في نفسك.
سكت لحظة وكأن الكلام .
ثم قال بصوت منخفض
أنا كنت بحاول أوصل كنت محتاج الفرصة.
ابتسمت بسخرية خفيفة
والفرصة كانت معاك من أول يوم بس إنت اخترت الغرور بدل الاحترام.
في تلك اللحظة، تقدّم رجلان من الأمن بهدوء.
نيرمين بدأت تبكي
أرجوك يا أستاذ سامح أنا ممكن أصلّح أي حاجة!
لكن والدي لم ينظر لها حتى.
قال بصرامة
كل حاجة هتتراجع بالقانون.
أُخذ كريم من القاعة، وخطواته الثقيلة كانت تُسمع بوضوح وسط الصمت.
لم يعد أحد يضحك.
لم يعد أحد يتكلم.
فقط نظرات صامتة مليئة .
وقفت أنا في نفس المكان الذي فيه منذ دقائق.
نظرت إلى المنصة إلى الكرسي الذي كان يظنه عرشه.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
وأدركت أن النهاية الحقيقية لم تبدأ بعد.
بل الآن فقط يبدأ الحساب.
بعد خروج كريم من القاعة، لم تعد الأضواء تلمع كما كانت كأن كل شيء فقد بريقه فجأة.
الهمسات بدأت تعلو، لكن هذه المرة لم تكن سخرية كانت خوفًا.
تقدمت خطوة نحو المنصة، وكل العيون تتابعني بصمت.
والدي نظر إليّ وقال بهدوء
المنصة ليكي.
ترددت لثانية واحدة فقط ثم صعدت.
وقفت أمام الميكروفون نفس المكان الذي تحته منذ دقائق.
لكن هذه المرة كنت أنا من على المشهد.
نظرت إلى الحضور، وقلت بثبات
اللي حصل النهاردة مش مجرد موقف شخصي.
سكتت لحظة، ثم أكملت
ده كان اختبار للحدود، وللاحترام، وللمسؤولية.
بعض الوجوه انخفضت والبعض الآخر تجمد.
الشركة دي مش مبنية على المجاملات ولا على
ولا على الاستعراض.
رفعت رأسي أكثر
الشركة دي مبنية على القانون والنزاهة.
نظرت مباشرة إلى أعضاء مجلس الإدارة
ومن النهاردة مفيش حد فوق المحاسبة.
سادت لحظة صمت ثم بدأ تصفيق خافت.
تصفيق واحد ثم اثنين ثم القاعة كلها.
لكنني لم أبتسم.
كنت أعلم أن التصفيق ليس لي بل للسلطة التي أصبحت ظاهرة أمامهم أخيرًا.
نزلت من على المنصة ببطء.
اقترب والدي مني، وقال بصوت منخفض
كنتي قاسية.
نظرت له بهدوء
كان لازم.
هز رأسه بتفهم.
في الخارج، كان الهواء أبرد أهدأ.
أخذت نفسًا عميقًا، وكأنني أتنفس لأول مرة منذ سنوات.
ثماني سنوات من الصمت انتهت في ثلاث ثواني.
لكن الحقيقة؟
لم تكن النهاية في تلك القاعة.
بعد أيام قليلة، تم الإعلان رسميًا عن إقالة كريم من جميع مناصبه، وفتح تحقيق شامل في كل تعاملاته.
نيرمين اختفت تمامًا من الشركة وكأنها لم تكن موجودة من الأساس.
أما أنا
فلم أعد زوجة المدير.
بل أصبحت
الشريكة الحقيقية التي لم يرها أحد إلا متأخرًا.
وفي أول اجتماع رسمي لي بعد الحادثة، جلست على رأس الطاولة.
نظرت حولي نفس الوجوه، لكن بنظرات مختلفة.
ثم قلت بهدوء
نبدأ.
وهذه المرة
لم يجرؤ أحد على الضحك.
تمت
حكايات محمد عبده