مرات أخويا عندها مرض

لمحة نيوز


ننقذ حياتها، وأثناء الجراحة حصل نزيف حاد وهبوط مفاجئ في الضغط كاد يودي بحياتها.. احنا أنقذناها بمعجزة، وهي دلوقتي تحت الملاحظة الدقيقة في العناية المركزة، وممنوع عنها أي توتر أو زيارة.
نزل الكلام كالصاعقة على محمود. تراجع خطوة إلى الخلف وسقط على المقعد الخشبي المتاخم للحائط، وصورته أمام نفسه تتشقق. لم يكن يتوقع أن إنكارها للمرض ورفضه للجراحة كان يُقربها من الموت بهذه السرعة. نظر إلى والدها، فوجه الشيبة لم يعد يحمل الاحتقار فقط، بل أصبح يملؤه الحزن والأسى على ابنه يُعامل بهذه القسوة.
قال والد سحر بنبرة هادئة لكنها أشد ثقلاً من الجبال سمعت يا محمود؟ كنت مستعد تضحي بحياتها عشان مظاهر وشكل! بنتي دخلت بين الحياة والموت بسبابك وبسبب كبرك.. ورقتها هتوصلها فوراً أول ما تقوم بالسلامة، وحقها وأحكام القضاء هي اللي هتجيب مصاريف علاجها ومستحقاتها كاملاً.
اشتعلت النخوة المزيفة داخل محمود مجدداً محاولةً التغطية على شعوره الجارف بالذنب، فقام واقفا وهو يصيح أنا مابتهددش! والقانون مش هيجبرني أدفع مليم في حاجة اتعملت من ورايا وبدون موافقتي!
في تلك اللحظة، فتحت ممرضة باب العناية المركزة واستدعت الأطباء بسرعة بعد أن بدأت أجهزة القياس تُصدر أصوات إنذار متكررة، لتشتعل حالة الطوارئ مجدداً داخل الممر، ويقف الجميع على أطراف أصابعهم بين أمل واهٍ وخوفٍ قاتل.
انطلقت صفارات الأجهزة داخل غرفة العناية المركزة لتشق صمت الممر القاتل، واندفع الأطباء والممرضون إلى الداخل بحركة متسارعة، ينقلون أكياس الدم ومعدات الصدمات الكهربائية. وقفنا جميعاً خلف الزجاج الخارجي، نراقب أجساد الأطباء وهي تتحرك بلهفة حول جسد سحر الضئيل الذي كان يصارع ، بينما كانت والدتها تسقط أرضاً وهي تنتحب وتدعوا الله أن يرد إليها ابنتها.
كان محمود يقف ذابولاً، ينظر من خلال الزجاج إلى وجه زوجته الشاحب كالقطن. لأول مرة، رأيت الخوف الحقيقي يطل من عينيه؛ لم يعد ذلك الرجل الناقم على كرامته أو الشاغل باله بالمظاهر والشكل، بل استبدل غروره برعب خالص من أن يتسبب كبرياؤهم في إنهاء حياة إنسانة لم تؤذه يوماً.
اقتربتُ منه وهززت كتفه بقوة وقلت له بصوت خافض شفت يا محمود؟ شفت كان فاضل إيه وتسيب الدنيا خالص عشان أوهامك؟!
لم يرد محمود، بل اكتفى بوضع يديه على رأسه وسقط على ركبتيه في منتصف الممر، وجسده يرتجف بشدة دون أن تخرج منه كلمة واحدة.
بعد ساعة من التوتر الذي حبس أنفاس الجميع، خرج الطبيب المشرف ووجهه مجهد، لكن ملامحه كانت أكثر هدوءاً هذه المرة. مسح العرق عن جبينه وقال بتنهيدة رفعت الجبل عن قلوبنا الحمد لله، قدرنا نسيطر على النزيف ونثبت النبض والضغط. المريضة تعدت مرحلة الخطر الحرِج، وبدأت تسترد وعيها تدريجياً، لكنها محتاجة راحة تامة وعناية فائقة لأن جسدها ضعيف جداً.
ما إن سمع والد سحر كلمات الطبيب حتى خرّ ساجداً على الأرض يشكر الله والدُموع تتساقط من عينيه. أما محمود، فقام بخطوات ثقيلة ومشتتة نحو الطبيب وقال بصوت خافت ومبحوح ممكن أدخل أشوفها؟ بس دقيقة واحدة.. أرجوك يا دكتور.
نظر إليه والد سحر بنظرة حازمة وقاطعه بقسوة مش من حقك تشوفها، ولا هي عايزة تشوفك. أنت انتهيت من حياتها من اللحظة اللي اخترت فيها شكلك على حساب روحها!
لم يتراجع محمود هذه المرة ولم يصرخ كما اعتاد، بل انحنى رأسُه خجلاً وندماً. تسلل بخطوات خائفة ورجاء في عينيه نحو باب العناية المصنوع من الزجاج، ووقف يطل عليه. في تلك اللحظة بالذات، فتحت سحر عينيها ببطء شديد وسط الأجهزة المحيطة بها. دارت بصرها في الغرفة حتى التقت عينها بعيني محمود الواقف خلف الزجاج.
لم تكن نظرتها تحمل كُرهاً ولا غضباً، بل كانت نظرة انكسار وعتاب صامت أشد قسوة من أعتى الكلمات. أدارت وجهها الناحية الأخرى ببطء شديد وأغمضت عينيها، معلنةً عن إغلاق آخر باب كان يمكن أن يجمعها به.
مسح محمود دمعة فرت من عينيه، ودون أن ينطق بحرف، التفت ومشى في الممر تاركاً المستشفى بخطوات تائهة، بينما كانت والدة سحر تربت على يد ابنتها وتهمس لها بأن الكابوس قد انتهى. لكن الأحداث لم تقف عند هذا الحد؛ ففي المساء، وبينما كنا نحسِب أن الأمور ستتجه للهدوء تمهيداً للإجراءات القانونية، تلقت عائلتنا اتصالاً هاتفياً غير متوقع نقل القصة كلها إلى مسار جديد تماماً
كان المتصل على هاتف والدي هو شقيق سحر الأكبر، الذي يعيش خارج البلاد وكان غائباً عن تفاصيل الأزمة منذ بدايتها. لم يكن اتصاله يتضمن تهديداً أو شتاماً كما توقعنا، بل جاء بصوت هادئ، يتوشح بصرامة قاطعة، ليبلغنا بقرار العائلة النهائياً إحنا مش جايين نتحاكم ولا نتخانق.. سحر هتخرج من المستشفى على بيتنا، ورقتها توصلها لحد عندها، وأي مطالب مالية للمستشفى أو غيرها مدفوعة بالكامل من جيبي.. محمود مالوش أي صفة في حياتها بعد النهاردة.
في اليوم التالي، خرجت سحر من المستشفى متجهة إلى بيت أهالها لتستكمل رحلة علاجها وتتلقى الجرعات الوقائية. كانت تبدأ مرحلة التماثل للشفاء الجسدي، لكن الجرح النفسي كان أعمق بكثير من أن تداويه الأيام.
أما محمود، فقد انقلبت حياته رأساً على عقب. أدرك، بعد فوات الأوان، حقيقة خطئه الشنيع والوهن الذي أظهره في أشد أوقات زوجته احتياجاً له. تحول غضبه وتكبره إلى ندم ينهك جسده ورأسه؛ أصبحت الشقة الشاسعة
 

تم نسخ الرابط