بعد نص ساعة من اقلاع الطائرة رودي خالد
بعد نص ساعة من إقلاع الطيارة المذيع الداخلي قطع نومي فجأة وقال
نعتذر عن الإزعاج فيه سيدة حامل في آخر الطائرة حالتها تعبانة جدًا. لو فيه أي دكتور أو دكتورة على متن الطائرة، ياريت يتوجه فورًا للمساعدة.
أنا دكتورة
وبمجرد ما سمعت النداء، جسمي كله اتحرك تلقائيًا. كنت هضغط زر استدعاء المضيفة وأقوم
لكن في نفس اللحظة
لقيت رسالة غريبة على موبايلى .
إوعي تقربي منها.
الجنين اللي في بطنها مات من تلات أيام أصلًا.
جوزها عليه ديون قمار بأكتر من تلاتميت ألف جنيه، واختاروك إنتِ بالذات عشان توقعوكي.
أول ما تلمسيها هيقولوا إنك السبب في الإجهاض، وهيطالبوكي بتعويض بمليونين جنيه.
فضلت باصة للكلمات
كل كلمة كانت أبرد من اللي قبلها.
وفي نفس الوقت، من آخر الطيارة، سمعت راجل بيصرخ بكل قوته
فيه دكتور؟ بالله عليكم حد ينقذ مراتي وابني!
الجزء الأول
بعد النداء التالت
آخر الطيارة بقى كله فوضى.
ناس قامت تبص.
وناس بدأت تتمتم
معقول مفيش دكتور وسط كل الركاب دول؟
هو الدكاترة بقوا قلوبهم حجر كده؟
دي ست حامل لو حصلها حاجة يبقى روحين راحوا.
قفلت عيني
وإيدي كلها عرق.
بعد ثواني
الستارة اللي بين درجة رجال الأعمال والدرجة الاقتصادية اتفتحت.
وجات مضيفة كبيرة.
الاسم المكتوب على البادج بتاعها
دينا.
ابتسمتلي بابتسامة متوترة وقالت
يا دكتورة ليلى محتاجين مساعدتك.
بصيتلها.
قالت بسرعة
النظام عندنا مسجل إن حضرتك طبيبة السيدة اللي ورا عندها ألم شديد جدًا ممكن تتفضلي تبصي عليها؟
في اللحظة دي
الناس كلها في درجة رجال الأعمال سكتت.
كل العيون بقت عليا.
قبل حتى ما أرد
خرج راجل من ورا المضيفة.
كان عنده حوالي خمسة وتلاتين سنة.
عينه حمرا من العياط.
وفجأة
ركع قدامي في ممر الطيارة.
وقال وهو بيبكي
يا دكتورة بالله عليكي أنقذي مراتي.
ومد إيده ناحيتي.
هي هتموت من الوجع وابني مينفعش يجراله حاجة ده أول طفل ليا أنا اسمي شريف.
الركاب شهقوا.
وفي ناس طلعت موبايلها تصور.
ولما لقى إني لسه قاعدة
زحف على ركبته لحد ما قرب مني أكتر.
لو عايزة فلوس هديكي هبوس رجلك بس أنقذيها.
وبعدين صرخ
هو الدكتور ينفع يشوف واحد بيموت ويسيبه؟ دي مسؤوليتكم!
بصيت في وشه.
كان بيمثل بإتقان مرعب.
أي حد يشوفه
هيصدق إنه زوج بيحارب عشان ينقذ مراته.
لكن التعليقات فوق راسه كانت بتجري.
كل الكاميرات متوجهة ناحيتك.
هو مستني كلمة موافقة منك.
حطيت إيدي على مسند الكرسي
وقلت بهدوء
أقدر أساعد في التواصل مع دكتور الطوارئ الأرضي.
الراجل رفع راسه فجأة.
والنظرة اللي في عينه اتغيرت.
يعني إيه؟
قلت
لازم قائد الطائرة يكلم الطبيب المختص على الأرض، ويقيموا إذا كان لازم نهبط اضطراري.
وبعدين بصيت للمضيفة.
الطائرة مفيهاش أجهزة فحص وأنا مش دكتورة نسا وتوليد ومينفعش أعمل أي إجراء طبي من غير تشخيص.
فجأة
شريف انفجر.
إنتِ دكتورة وبتقولي مش هتعملي حاجة؟
ولف ناحية الركاب وصرخ
سمعتوا؟ الدكتورة رافضة تساعد!
وفجأة
الدرجة الاقتصادية كلها قامت.
معقول!
هو الدكاترة بقوا بيخافوا من المسؤولية بالشكل ده؟
دي حالة إنقاذ هو فيه تخصص وقت الموت؟
أصلها قاعدة في بيزنس كلاس شايفة نفسنا أقل منها.
كل كلمة
كانت زي حجر بيتحدف في وشي.
لكن أنا مردتش.
قلت للمضيفة
لو سمحتي بلغوا الكابتن فورًا يتواصل مع الطبيب الأرضي ولو الألم شديد يبقى نهبط اضطراري.
شريف فضل يبصلي.
وقال
يعني هتفضلي واقفة كده؟
رديت بمنتهى الوضوح
أنا مش هلمسها.
الجملة دي
خلت الطيارة كلها تسكت.
وبعدها بثانية
الشتايم زادت أكتر.
اسمعوا حتى الكشف مش عايزة تعمله.
أول مرة أشوف دكتور بالشكل ده.
لو مراتي مكانها كنت ضربتها.
شريف بدأ يعيط بصوت عالي.
يا دكتورة ليلى قلبك قاسي للدرجة دي؟ هتضيعي مراتي وابني؟
بصيت على دموعه
وحسيت ببرودة في قلبي.
هو مش بيطلب مني أنقذ حد
هو بيطلب مني أدخل الفخ برجليا
انقبضت صدور الركاب، وساد صمت ثقيل لدقائق قبل أن تنفجر همهمات الغضب من جديد في أرجاء الطائرة. كان شريف لا يزال راكعًا على أرضية الممر، يبكي بنحيب متواصل، ويلتفت يسارًا ويمينًا كي يستدرج عواطف الجميع ويكسب الرأي العام على متن الرحلة. الكاميرات كانت لا تزال مسلطة عليّ، ووميض الهواتف يلمع وسط إضاءة المقصورة الخافتة.
في تلك اللحظة بالذات، اهتز الموبايل في يدي مرة أخرى. رفعت الشاشة بحذر لترى عيناي رسالة جديدة من نفس الرقم المجهول
برافو يا ليلى.. خطوتك الأولى كانت صح. الثبات هو سلاحك الوحيد دلوقتي.
بس احذري.. دينا المضيفة مش على طبيعتها، البادج بتاعها مش بادج الشركة الرسمية، دي المضيفة البديلة اللي اتغيرت قبل الإقلاع بساعة. ركزي في تفاصيلها.
رفعت بصري فورًا ونظرت إلى دينا. كانت يقظتي الذهنية في قمتها. لاحظت فعلاً أن بادج الاسم مثبت بدبوس أمان عالي، وشريط الهوية حول رقبتها يختلف قليلًا عن بقية طاقم الضيافة. كانت يداها ترتجفان بشكل خفيف وهي تمسك بجهاز الاتصال الداخلي.
خرج شريف عن صمته المتباكي فجأة، وتحول بكاؤه إلى هجوم شرس، وقف على قدميه ووجه سبابته ونظراته الغاضبة إليّ قائلاً بصوت هز أرجاء درجة رجال الأعمال
إنتِ مجرد إنسانية معدومة! لو كانت حالة بسيطة كنتِ جريتِ عشان الشو، لكن لما لقيتِ الحالة خطيرة خفتِ من المسؤولية! مراتي بين الحياة والموت وورا بتموت من النزيف!
تعالت أصوات الركاب في الدرجة الاقتصادية
انزلي شوفيها يا دكتورة!
حرام عليكِ.. ضميرك فين؟
صوروا وشها ونزلوا الفيديو على النت.. خلي المجتمع يعرف حقيقتها!
بقيت في مكاني، ممسكة بقوة بمسند المقعد، قلبي كان يدق كالطبول ولكن ملامحي كانت كالجليد. أدركت أن أي تراجع، أو أي كلمة اندفاعية تحت ضغط هذا الابتزاز العاطفي، ستكون القاضية.
قلت بصوت حاد ومسموع للجميع، موجها كلامي لشريف مباشرة
أستاذ شريف.. لو زوجتك فعلاً بتعاني من نزيف حاد وألم سقطت على إثره في آخر الطائرة، فالإجراء الطبي الأولي والسليم مش إنك تسيبها وتيجي تترجاني هنا في البيزنس كلاس لمدة عشر دقائق كاملة! الإجراء الطبي الصحيح هو إنك تطلب لها الأكسجين فورًا وتستدعي طاقم الضيافة لتوفير الإسعافات الأولية لحين صدور قرار الكابتن!
توقف شريف عن الكلام للحظة، وترددت في عينيه نظرة ارتباك خاطفة لم تدم أكثر من ثانية، لكنه سرعان ما استعاد تمثيله وصرخ
أنا جيت أطلب المساعدة من بني آدمة افتكرت عندها ضمير! الطاقم مش فاهم حاجة.. إنتِ الدكتورة الوحيدة هنا!
في هذه الأثناء، تقدم رئيس طاقم الضيافة رجل في الخمسينات من عمره يدعى صلاح مظهره جاد وملامحه حازمة. اتجه نحو الممر المزدحم ونظر إليّ ثم إلى شريف والى دينا.
قال صلاح بنبرة قيادية
لو سمحتوا يا جماعة، هدءوا اللعب. يا أستاذ شريف ارجع لزوجتك فورًا. دكتورة ليلى.. الكابتن بيطلب توضيح من حضرتك فورًا عبر خط الاتصال الداخلي.
اقتطعت طريق المشككين، وقفت بثبات وقلت لصلاح
أنا مستعدة أكلم الكابتن حالاً، بس محتاجة أبلغك ك رئيس طاقم أنا مش هجري أي فحص يدوية أو جسدي على الحالة نهائيًا بدون وجود محضر رسمي يثبت حالة المريضة قبل التدخل، وبدون تواصل مباشر مع الطبيب الأرضي المعتمد للشركة.
المضيفة دينا تدخلت بسرعة وبنبرة متوترة
بس يا دكتورة الوقت مش في صالحنا! الحالة تدهورت جدًا، وممكن تبسِم النزيف الشديد يحصل شوك صدمة وتفقد حياتها قبل ما الكابتن يقدر يتواصل مع الأرض!
نظرت في عيني دينا مباشرة، وقلت لها بصوت منخفض ولكن بثقة مرعبة
إنتِ مهتمة جدًا إني ألمسها يا دينا.. صح؟ مهتمة أوي إن إيدي تنحط عليها بأي شكل قبل ما الطوارئ تتدخل؟
شحبت ملامح دينا فجأة، وتراجعت خطوة للخلف، متلعثمة
أنا.. أنا بس خايفة على الراكبة.. ده واجبي.
في تلك الثواني، اهتز هاتفي مجددًا.
شريف معاه إيصال أمانة بقيمة ماليّة ضخمة في جيبه الداخلي، ومجهز محامي على الأرض هيرفع قضية الإهمال الطبي المسبب للإجهاض أول ما الطيارة تهبط، بشرط واحد إنك تكوني لمستِ بطنها أو عملتِ لها فحص باليد. تذكري لا تلمسي الجلد.
تنفس الصعداء بقوة، ثم أخذت نفسًا عميقًا. التفتُّ نحو رئيس الطاقم صلاح وقلت له
أستاذ صلاح.. أنا موافقة أتحرك لأخر الطائرة، وأقف على بعد مترين من السيدة، وأقيم الحالة ظاهريًا بالعين فقط وبدون أي تلامس، وبشرط إنك تسجل كل ثانية بالصوت والصورة بكاميرا هاتف رسمية تابعة لطاقم الطائرة، ويكون معاك شاهدين من الركاب.
ارتبك شريف مجددًا وقال بصوت مرتفع
تقيمي بالعين؟! دي ست بتسقط! يعني إيه تقيمي بالعين؟! إنتِ لازم تفحصيها وتوقفي النزيف!
قلت له وأنا أنظر في عينيه بثبات مطلق
أنا طبيبة، وأنا اللي أقرر طريقة التقييم المتاحة في ظروف طائرة تطير على ارتفاع 30 ألف قدم وبدون معدات جراحية أو أجهزة سونار. لو رفضت تقييمي الظاهري، يبقى إنت اللي بترفض مساعدة الطاقم الطبي المتاح.
ساد الصمت مرة أخرى. النظر بين الركاب بدأ يتغير. الشك بدأ يتسلل إلى بعضهم.
قال أحد الركاب في الصف الأول
كلام الدكتورة منطقي يا جماعة.. الطيارة مفيهاش غرفة عمليات، هي هتفحص إيه بإيديها في ممر